حسين الوادعي: تساؤلات عن لغة / لغات القرآن | Marayana - مرايانا
×
×

حسين الوادعي: تساؤلات عن لغة / لغات القرآن

كل النصوص التراثية الكلاسيكية من أشعار “جاهلية” وإسلامية وأحاديث وخطب وكتب، تلتزم بقواعد النحو العربي المعروفة؛ باستثناء القرآن، فهو يتجاوز قواعد النحو والصرف والإنشاء والبلاغة العربية ويخالفها في الكثير من المواضع.
لا توجد نصوص تراثية، غير القرآن، تتمرد على قواعد النحو العربي (الذي اكتمل في العصر العباسي) إلا نصوص السير الشعبية والأدب الشعبي.

ليس الجدل حول لغة القرآن جديدا. هو قديم قدم هذا النص اللغوي الديني الإشكالي.

وقد دافع القرآن عن عروبته دفاعا ذاتيا في غير ما آية؛ ونحن نعرف من أساليب القرآن أن أي آية دفاعية هي رد على اتهام أو تحد طرحه المشككون به وتحدوه به.

وقد شكك الرافضون للإسلام في مصدر القرآن وفي عروبيته، فجاء رد القرآن ليقول إنه “من عند الله” وإنه “لسان عربي مبين” و “قرآنا عربيا غير ذي عوج”. دفاع القرآن عن عروبيته أمر يستحق التوقف والتساؤل حول: طبيعة لغة القرآن.

ليس جديدا أيضا القول إن نحو القرآن يختلف في مواضع كثيرة عن نحو الفصحى، وإن أساليبه البلاغية واللغوية تكسر هذه القواعد كسرا غريبا. وقد اعتبر هادي العلوي أن القرآن استخدم “النحو الساكن” وهو مختلف عن نحو الإعراب (تحريك أواخر الكلمات حسب موقعها من الجملة).

لطه حسين مقال غير مشهور، نشره بالفرنسية سنة 1928، عنوانه: “استخدام ضمير الغائب في القرآن كاسم إشارة”.

المقال لا يقل أهمية عن كتابه “في الشعر الجاهلي”، لأنه تناول موضوع النحو القرآني واختلافه عن نحو الفصحى، وهي منطقة حساسة طالما أحرجت النحويين.

درس المقال طريقة استخدام القرآن لضمير الغائب، ووجد أنه من بين ثماني استخدامات مختلفة للضمير، جاء أغلبها مخالفا لقواعد النحو الكلاسيكي!

وبناء عليه، خلص إلى النتائج التالية:

خطأ الفكرة الشائعة عندنا جميعا أن النحاة بنوا قواعد النحو على أساس القرآن؛ والأصح حسب نتائج دراسته أن النحاة بنوا النحو على أساس الشعر، حتى ولو خالف قواعد القرآن!

أن محاولات علماء اللغة تقديم القرآن باعتباره النموذج الكامل للغة العربية محاولات ساذجة، لأن لغة القرآن مختلفة عن الفصحى،

 أن كل النصوص النثرية والشعرية التي وصلتنا التزمت بقواعد نحو الفصحى ما عدا القرآن (نسي طه حسين إضافة السير الشعبية)،

أن النحو العربي غير كاف لتفسير القرآن وأننا بحاجة لنحو خاص بالقرآن يكون القرآن وحده هو أساسه لأن الشواهد الشعرية التي حاول النحويون إثبات بلاغة القرآن من خلالها شواهد مزورة حسب رؤية طه حسين.

 أنه لا يوجد أخطاء نحوية في القرآن لو قبلنا قاعدة اختلاف لغة القرآن عن العربية الفصحى، لأن الإصرار على أن القرآن أساس النحو، يضع القرآن في مأزق الأخطاء النحوية والبلاغية والإملائية… والفصل بين القرآن والفصحي هو الطريق الأسلم للدفاع عن القرآن!

…إذا أضفنا رأي طه حسين لرأي آخر شبيه له، لعبد الله العروي، حول كون  لغة القرآن عربية لكنها ليست العربية الفصحى، ويذكرنا أن القرشيين نفسهم كانوا يشككون في عربية القرآن وفصاحته، تصبح قضية إعادة النظر العلمية في لغة القرآن ونحوه لازمة لفهمٍ أفضل للنص الأول في الإسلام.

كل النصوص التراثية الكلاسيكية من أشعار “جاهلية” وإسلامية وأحاديث وخطب وكتب، تلتزم بقواعد النحو العربي المعروفة؛ باستثناء القرآن، فهو يتجاوز قواعد النحو والصرف والإنشاء والبلاغة العربية ويخالفها في الكثير من المواضع.

لا توجد نصوص تراثية، غير القرآن، تتمرد على قواعد النحو العربي (الذي اكتمل في العصر العباسي) إلا نصوص السير الشعبية والأدب الشعبي.

لهذا، تبدو إحدى التفسيرات المطروحة، أن عربية القرآن قد تكون لغة قديمة مستقلة تراجعت وتقلص حضورها وبقي القرآن الشاهد الوحيد عليها.

تحدث ابن خلدون في مقدمته (الفصل 48) عن ثلاث لغات: لغة مضر، والعربية الفصحى، ولغة أهل الأمصار (العامية).

أظن أن لغة مضر، التي يقصدها ابن خلدون، هي اللهجة الشعبية التي كتب بها القرآن وصيغت معانيه بتراكيبها اللغوية الشعبية البسيطة ذات المستوى الذي نشاهده في المصحف من البراعة والبلاغة.

فالعرب كانوا يتحدثون “لهجات” عربية مختلفة. وكانت عربية مضر تختلف في بعض تفاصيلها عن عربية ربيعة وعن عربية الجنوب (اليمن). وبسبب الهيمنة السياسية لقريش تم فرض “لهجتها” باعتبارها أساس اللغة العربية الفصحى.

لكن تشكل الإمبراطورية الإسلامية وامتدادها الى ممالك وحضارات عريقة غير عربية، جعل لغة مضر لغة محدودة وغير كافية لتلبية متطلبات حضارة صاعدة، فكانت الحاجة ملحة للخروج من لغة مضر إلى العربية الفصحى.

هذا لا ينفي أن في القرآن آيات تنطبق عليها قواعد النحو العربي. ووجود هذه الآيات لا يمكن تفسيره إلا باعتماد فرضية أن القرآن جمع على فترات زمنية متعددة، وأن التعدد اللغوي في الآيات هو انعكاس للتطور اللغوي والتلاقح اللغوي الذي انعكس على النص المكتوب للقرآن.

وعندما واجه اللغويون والمفكرون مشكلات الاختلافات والأخطاء اللغوية، اخترعوا شيئا اسمه “الالتفات” وحملوه وزر كل الاختلافات.  والالتفات هو الانتقال من ضمير المتكلم إلى المخاطب أو العكس، أو من أسلوب المخاطب إلى الغائب فجأة وبلا مبرر.

تراجع اسلوب الالتفات بعد تطوير قواعد الجملة العربية، لكنه الأسلوب السائد في القرآن الذي يجعل قراءته صعبة وتحتاج إلى صبر وإعادة، للتمكن من الفهم.

سورة الفاتحة نموذج بسيط لمشكلة الالتفات. فهي كتبت بضمير الغائب وغاب فيها ضمير المتكلم “الله”، فالكلام فيها كلام لجماعة من البشر “إياك نعبد، إياك نستعين”.

تبدأ الفاتحة بحديث أشخاص يوجهون الحمد لله “الحمد لله رب العالمين”. لكن كان يفترض أن تكون الآية في ضمير المتكلم هكذا ” الحمد لي”، ثم يزداد الالتفات عندما تنتقل السورة من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب “إياك نعبد وإياك نستعين”، وكان المفترض أن تستمر على نفس الضمير السابق فتكون “إياه نعبد وإياه نستعين”. في هذه الآيات البسيطة لاحظنا التنقل بين ضمير الغائب وضمير المخاطب وغيابا تاما لضمير المتكلم الذي هو الله.

إلى جانب الالتفات يشهد النص القرآني مشكلة “الحذف”، إلى درجة عدم القدرة على فهم الآية دون العودة لأسباب النزول. ولو طبقنا قواعد البلاغة العربية على الحذف القرآني لوجدناه من الحذف غير المستساغ مثل آية “وانكحوا ما طاب لكم من النساء” التي لا يمكن فهمها إلا بإضافة ثلاث جمل على الأقل حسب تفسير الطبري كما يلي:

” وإن خفتم، يا معشر أولياء اليتامى، أن لا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهنَّ صدقات أمثالهنّ، فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرَهن من الغرائب اللواتي أحلّهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة فلا تعدلوا، فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم”.

…عندما بدأ اللغويون وضع قواعد العربية كانوا أمام خيارين: الالتزام بلغة القرآن البسيطة نحوا وبلاغة، أو اصطناع لغة أقرب لمزاج النخبة المثقفة واحتياجاتها، ففضلوا الخيار الثاني.

ولو قسمنا “اللغات” أو الأساليب الكتابية العربية إلى طبقات من حيث الالتزام بالقواعد الكلاسيكية للغة، لوضعنا لغة الشعر والنثر المدون في الطبقة الأولى، تليها لغة الحديث والفقه المدون في الطبقة الثانية، ثم لغة القرآن والسير الشعبية في الطبقة الثالثة.

لكن إذا كان القرآن قد نزل بلغة مضر فلماذا شكك القرشيون في “لسانه” العربي؟

ليس كل ما في القرآن عربيا… فهناك لغة أخرى دخلت في عمق النص القرآني… وهذا موضوع مستقل. لكن أكثر التفسيرات قبولا اليوم هي استعارة القرآن للكثير من المفردات والتعبيرات السريانية وتعريبها، خاصة عندما كان القرآن يحتاج للتعبير عن مفاهيم دينية توحيدية غير موجودة في اللغة العربية القرشية، التي تعبر فقط عن القاموس الديني للتدين الوثني البسيط في مجتمع قريش قبل الإسلام.

لم تنكر كتب علوم القرآن القديمة غموض المصطلح القرآني الى درجة اعتبار ان أغلب القرآن “متشابه” وأن “المحكم” منه قليل. فنحن لا نعرف على وجه اليقين حتى الآن ما معنى “صراط” و “حور عين” و”صمد” و “طور سينين” و “أبا” و” ربانيين” و “عليين” و “علبا” ومئات الألفاظ القرآنية التي عجز أمامها المفسرون. فهل هي فعلا ألفاظ سريانية معربة؟

هذه الإشكاليات تفتح أمامنا عشرات علامات الاستفهام حول طبيعة النص المقدس وطبيعة لغته. وهذا المقال يكتفي بطرح الأسئلة فقط حول طبيعة لغة أو لغات القرآن.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *