×
×

حسن الحو: الرقابة… مشروع فاشل

لا يوجد أي تفسير للوصاية على حرية الأفراد وممارسة الرقابة على أفكار الناس، غير الرغبة في تنميط المجتمعات وسيادة الرأي الواحد والقطب الواحد… والخوف من تعرية نقائص المقدسات. وإلا، فالمجتمعات المتحررة تناقش كل شيء وتبدع في مساءلة كل المواضيع، ولا تخاف على أخلاق شعوبها من قُبلة عابرة أو رواية متمردة، أو فيلم سينمائي يثير تساؤلات فلسفية… هناك، إيمان الناس وقناعاتهم ليست من الهشاشة حتى تُزعزَع عند أصغر المطبات أو تَغرق في كأس ماء!
وهذا هو الفرق بين شعوب تبدع وتفكر دون قيود أو رقابة، متجاوِزة بفكرها التراكمات القيمية والمعرفية، وشعوب تجتهد في التحريم والمنع وإصدار الأحكام الأخلاقية، غارقة في أفكار ماضوية تمنعها من المشاركة في الصيرورة الحضارية وتشدها إلى فكر القرون الوسطى.

عندما تقوم بضبط لاقط القنوات الفضائية، كي لا يطلع أطفالك على بعض المحتويات التي لا تلائم سنهم، أو تُثَبِّتُ بعض التطبيقات على هواتفهم الذكية لمراقبة تفاعلهم مع الشبكة العنكبوتية، فأنت تحاول ممارسة نوع من الوصاية المؤقتة والحجر الأخلاقي على حرية أطفالك ومنعهم مما تراه غير مناسب لاعتبارات ثقافية وسيكولوجية، إلى حين استكمالهم سن الرشد والقدرة على اتخاذ القرار المسؤول.

لكن، ما معنى أن تظل طيلة حياتك طفلا تُمارس عليك الرقابة والوصاية وتُغطَّى عيناك كصقور الصيد حتى لا تَرى إلا ما يُراد لك أن تَرى ولا تقرأ الى ما يُسمح لك بقراءته؟

ما معنى أن يظل شعب بأكمله في حظيرة محروسة تطوله عصا الراعي لإبعاده عن المحظورات والطابوهات ومصادر الإزعاج والفتن؟!

لا يوجد أي تفسير للوصاية على حرية الأفراد وممارسة الرقابة على أفكار الناس، غير الرغبة في تنميط المجتمعات وسيادة الرأي الواحد والقطب الواحد… والخوف من تعرية نقائص المقدسات. وإلا، فالمجتمعات المتحررة تناقش كل شيء وتبدع في مساءلة كل المواضيع، ولا تخاف على أخلاق شعوبها من قُبلة عابرة أو رواية متمردة، أو فيلم سينمائي يثير تساؤلات فلسفية… هناك، إيمان الناس وقناعاتهم ليست من الهشاشة حتى تُزعزَع عند أصغر المطبات أو تَغرق في كأس ماء! وهذا هو الفرق بين شعوب تبدع وتفكر دون قيود أو رقابة، متجاوِزة بفكرها التراكمات القيمية والمعرفية، وشعوب تجتهد في التحريم والمنع وإصدار الأحكام الأخلاقية، غارقة في أفكار ماضوية تمنعها من المشاركة في الصيرورة الحضارية وتشدها إلى فكر القرون الوسطى، فلا يكاد يُنظَّم معرض دولي للكتاب أو مهرجان سينمائي حتى تسمع عن منع كتاب كذا ومصادرة الرواية الفلانية ومنع عرض فيلم لمساسه بالثوابت والمقدسات، ثم تنطلق التهليلات والتصفيقات من طرف تيار هائج لا يستطيع التعايش مع الاختلاف، ولا يستكين حتى تنعكس أناه المتضخمة على كل المرايا.

يقول الناقد السينمائي حسين بيومي في كتابه “الرقابة على السينما… القيود والحدود”: “الحرية كانت ولا تزال المطلب المُلِّح دوماً للإنسان: حُرية أن يُفكِّر وأن يُعبِّر وأن يتلقّى العالم، ويتفاعل مع الوجود والواقع دون قيود أو حدود”.

كلما اتسعت دائرة الحريات وسادت الأعراف الديمقراطية، كلما اتسعت معها مجالات الإبداع لإثراء القيم الإنسانية، وكلما سادت أجواء الاستبداد الديني والسياسي، تخَوَّف المستبدون من سلطة القلم والكاميرا وفرضوا رقابة شديدة على كل ما من شأنه تحريك أفراد المجتمع للتساؤل والتفكير المنفلت من سطوة الثوابت المؤطِرة لاستمرار هيمنة فكر عتيق وأنظمة سياسية هجينة.

إذا كانت الرقابة، فيما مضى، فعالة في تأطير المجتمعات المتخلفة عن الركب العلمي والتكنولوجي، فاليوم، في ظل شيوع وسائل التواصل الاجتماعي والتقدم التقني الهائل، سيكون من السخف التعامل مع الأفكار المختلفة بممارسة الوصاية عليها حتى لا تصل إلى عموم الناس. كل ما تم منعه، لاعتبار مخالفته للقيم العامة الدينية والسياسية، قد وَجد طريقه سالكا ليصل لأغلب الناس؛ إِذْ كل محظور مرغوب وكل عمل ممنوع اشتهر بدافع الفضول، وانتصار الناس لحرية اختياراتهم واحترامهم لنضج عقولهم، كما بيعت منه آلاف النسخ وتمت الدعاية له مجانا ببيانات المنع والمصادرة. أكثر الأفلام مشاهدةً هي الأفلام الممنوعة من العرض! فما جدوى الاستمرار في الحظر والمصادرة، وما فائدة ممارسة رقابة متخلفة عن وسائل تداول المعلومات والمعارف؟

إن الاستمرار في نهج سياسة عفا عليها الزمن في التعامل مع الإنتاجات الأدبية والفنية التي تُرسِّخ لقيم إنسانية حديثة، سيدفع القائمين على هذه السياسة إلى أمرين أحلاهما مرُّ: إما الانفتاح على الأفكار الجديدة وتبنيها بشكل تدريجي، ومحاولة إيجاد بيئة حاضنة لكل مكونات المجتمع، والتأسيس لثقافة الحوار والتعايش والتدافع السلمي، وإما الاستمرار في المنع بطرق أكثر عنفا، والزج بالمخالفين والمختلفين في السجون، أو دفعهم لمغادرة الأوطان لاستحالة الإبداع في أنظمة مغلقة لا تُولي لرأي المنظمات الحقوقية والمنتظم الدولي اهتماما في الدفاع عن مصالحها الضيقة، وإذا أمكن ضرب مثال على نجاح بعض الدول المحسوبة على التيارات المحافظة في مسايرة تطور شعوبها، فستكون التجربة الإماراتية، رغم ما يطالها من انتقاد، رائدةً في احتضان الأعمال الأدبية والسينمائية الجريئة التي تؤسس لمجتمعات متصالحة مع شروط عصرها متخلصة من قيود الإرث الاجتماعي والثقافي.

لكن، هل يعني انتقاد الرقابة على المصنفات الفنية والأدبية فسح المجال دون وجود سلطة لتقييم الأعمال والإصدارات والنظر في مدى ملاءمتها للتراكم الحقوقي والمعرفي واحترامها للحريات الفردية أو دعوتها للعنف والعنصرية؟

إن ممارسة الرقابة الفنية، شأنها شأن الرقابة الدستورية التي تضمن مبدأ سمو الأعراف الدستورية بما يكفل حقوق الأفراد وحماية الحريات، كلاهما ضروري للحيلولة دون خضوع المجتمعات لوصاية سلطة كهنوتية أو سياسية. لكن هذه الرقابة ينبغي أن تُناط بلجان مستقلة عن كافة السلط، مشكلة من نخبة من المثقفين والمفكرين المشهود لهم بالالتزام الحقوقي والدفاع عن الحريات والتنظير لمجتمعات حداثية.

الرقابة، بهذا المعنى، ليست وصاية فكرية هدفها قولبة أفراد المجتمع في قوالب متشابهة، ولا فرض مرجعية دينية مطلقة لاستلهام حدود الجواز والمنع، لكنها وسيلة لإيجاد مجتمعات متحفزة للخلق والإبداع، متيقظة لحماية مكتسباتها الحقوقية وتقديس حرياتها الفردية.

لقد حان الوقت أن تقف السلطات موقف الحياد من التدافع الفكري بين مكونات المجتمع، وأن لا تنحاز لطرف على آخر لعلو صوته وكثرة أتباعه، لأن المنع والمصادرة يُكسب شرعية لأدبيات التطرف الديني في التكفير وهدر الدماء، فضلا عن وأده للإبداع وترسيخه لثقافة التخلف والرجعية. فمن العيب أن نناقش قِيَما حضارية لم نساهم في إنتاجها وأن نصنف تيارات فكرية حديثة بناء على مرجعية مهترئة، ثم نشرِّع بعد كل ذلك للمنع والمصادرة.

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *