في صناعة “الإرهاب”… هكذا يتشكل العقل الإرهابي - Marayana
×
×

في صناعة “الإرهاب”… هكذا يتشكل العقل الإرهابي

شهد العالم، ولا زال يشهد، آلاف العمليات الإرهابية والانتحارية… عمليات تُسائل تشكل العقل الإرهابي.
كيف يتحول هؤلاء؟ كيف تستطيع الجماعات المتطرفة تغيير فكر إنسان ما؟ كيف يفكر الإرهابيون؟ وماذا يقرأون؟
أسئلة وغيرها، نحاول مقاربتها من خلال تشريح بسيط للعقل الإرهابي.

حين يقع فعل “إرهابي” – وهنا الحديث عن الفعل وفق مُحَدِّد عقائدي – يُندد البعض، ويُباركُ المرضى… لكن، قلما يُستفسر عن العقل الإرهابي.

كيف يُكوّن العقل الإرهابي؟ وكيف يُفكر الإرهابي؟

ما الذي يجعل الانسان يتحول من حالته الطبيعية إلى حالة “غسل الدماغ“، والتي توجهه نحو السلوك العدواني ضد آخرين مختلفين في الفكر أو الدين أو العرق.

قد يُطرح السؤال بصيغة أخرى؛ كيف تستطيع الجماعات المتطرقة تغيير فكر إنسان ما، بعد أن يكون مسالما، إلى كائن يفعل فعله باسم الدين والله؟

من الممكن حصر الآليات والتقنيات التي تعتمدها الجماعات الإرهابية في عملية الاستقطاب، كونها واحدة وموحدة. لكن، يصعبُ رسم صورة دقيقة أو الإحاطة بالأسباب التي تصنع عقلية الإرهابي أو المتطرف، باعتبار أن هناك عوامل كثيرة تساهم في تكوين هذه العقلية، وقد تختلف من شخص إلى آخر.

هو ما يؤكده محمد عبد  الوهاب رفيقي، الباحث في الدراسات الإسلامية في تصريحه لمرايانا، حيث يقول: “الأسباب مركبة ومختلفة، ولا يمكن تعميمها على كل حالات. هناك أسباب مرتبطة بما هو نفسي، بحيث تجد أن الشخص المستقطب قد تعرض في حياته لمجموعة من الصدمات النفسية جعلته يرى أن الأمل في الخروج والانعتاق منها، هو التوجه نحو المسالك العنيفة، خصوصا مع ما تمنحه من إغراءات أخروية”.

يضيف محمد عبد الوهاب رفيقي: “قد تكون الأسباب اجتماعية واقتصادية متعلقة بالتهميش والفقر أو تدني المستوى التعليمي، مما ينتج عنه فهم تبسيطي للدين، وبالتالي عدم وجود مناعة نقدية تمكنه من تمحيص ما يُشحن به عقله من أفكار”.

على أن هناك بعض الأشخاص، حسب الباحث في الدراسات الإسلامية، لا تكون هذه الأسباب شرطا في استقطابهم، بحيث يكونون سليمين نفسيا، ولهم مستوى تعليمي واقتصادي جيد. بالتالي، يكون سبب استقطابهم فكريا بالأخص، من خلال الاقتناع بسردية التطرف، خصوصا في ظل غياب اجتهادات عقلية تنويرية. بذلك، يقتنع الطرف المُستقطب أن هذه النصوص هي الطريق السليم للنجاة في الآخرة ونيل رضى الله.

السبب الأخير الذي أورده محمد عبد الوهاب رفيقي، أكدته دراسات حاولت البحث في سيكولوجية العقل الإرهابي ودوافع عدائه للمجتمع وإباحة دمه.

الجانب النفسي، وفق الدراسات، يلعب دورا رياديا في تشكل هذه العقلية، خاصة في ما يخص اضطرابات الشخصية التي تجعل من العقلية ممزوجة بالإحباط، وعدم تقدير الذات، وخيبات الأمل، والشعور بأن لا شيء في حياتهم يسبب  لهم الرضا. بذلك، يكون من السهل استقطاب هذه النوعية من البشر، إذ تتم إعادة تشكيل عقليته وفق آليات استقطابية سنفصل فيها لاحقا.

غير أن هذه العقلية – إلى جانب العامل النفسي – تتغذى بشكل أساسي بالمنطلقات الدينية ملتوية الفهم.

الدكتور إبرامز ماكس، خبير الإرهاب بالجامعات الأمريكية، أكد في دراسة له أن الذين ينضمون إلى الجماعات الإرهابية هم الأكثر جهلا بالدين الذي يتحدثون باسمه، وأن الجهل بالإسلام الحقيقي هو الدافع وراء انضمام هؤلاء للجماعات المتطرفة مثل داعش وغيرها.

غياب الوعي الديني، إذن، هو جذر الإرهاب، باعتبار أن علة الداء تكمن أن الفكر التكفيري لا يزال متفشيا في الوعي الديني الذي يرفض الفكر ويرفض العقل ويرفض التأويل والاجتهاد، ويفترض أنه يمتلك الحقيقة المطلقة غير القابلة للنقد والنقض والاختلاف.

داخل جماعة إرهابية… كيف يجب أن (لا) تفكر؟

بعد عملية الاستقطاب، كيف تُدار العقليات داخل الجماعات المتطرفة؟

لا تتم عملية الغسيل بشكل عشوائي، بل تخضع لخطوات يسْهل معها التلاعب بهؤلاء وتوجيههم الوجهة التي يُريدها القادة.

مرجعنا في معرفة هذه الخطوات، مقال للمفكر المصري توفيق حميد، العضو السابق في الجماعة الإسلامية في مصر.

في مقال له بعنوان “صناعة عقل الإرهابي”، شرح توفيق حميد خطوات غسيل الدماغ التي تتم داخل الكثير من الجماعات المتطرفة حسب تجربته الشخصية، والتي لم تتعد بضعة أشهر من انضمامه إلى الجماعة الإسلامية المصرية في كلية طب القصر العيني.

أول خطوة تعتمدها هذه الجماعات، حسب توفيق حميد، هي تعطيل الفكر النقدي، أو إحباط القدرة على التفكير النقدي، بحيث يعتبر هؤلاء أن الفكر أو النقد كُفر، وبذلك يجب تنحية العقل أو التفكير بُغية اتباع الدين “الصحيح والقويم”.

الخطوة الثانية تخويفية، من خلال استخدام “عذاب جهنم” لإحباط أي تفكير في الاعتراض على ما يُدرسونه للشخص المُستقطب. في هذا السياق، يتم الاعتماد على آيات قرآنية تستحضر آيات العذاب لإعدام أي محاولة تفكيرية نقدية من مهدها، علاوة على ركوبهم على السياقات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيش فيها الدول.

يقول حميد توفيق في هذا السياق: “وكنت كلما تذكرت المشاكل التي كان يعاني منها بلدي الأم مصر في ذاك الوقت، تذكرت شعارهم ألا وهو أن “الإسلام هو الحل”، فكنت أظن أن تطبيق الشريعة بمفهومهم سوف سيحل كل مشاكلنا الاقتصادية في لمح البصر، وبصورة سحرية”.

أما الوسيلة الأخيرة، حسب المفكر المصري دائما، التي كانت تستخدم وبقوة، فكانت الوعود الجنسية في الجنة.

باختصار، أساليب هي خليط من  النهي عن التفكير، والترهيب بالعذاب، إضافة إلى الوعود الوهمية بالحل الإسلامي لكل مشاكلنا، وجعل تفكير المُستقطب يتجه صوب الآخرة، ثم يأتي بعد ذلك استغلال الجانب الجنسي، والوعد بأعلى درجات النشوة الجنسية في الآخرة.

هي تأكيدات، دائما، على أن الحياة الدنيا لا قيمة لها، وأن الهدف أخروي فقط.

تأكيدات يتم تغليفها بنصوص دينية، تضمن للمُستقطب العتق من عذاب النار والخلود في الجنة، وذلك لا يتأتى إلا بالموت “شهيدا”.

بعد هذه العمليات، تتم بناء العقلية الصلبة المتحجرة… عقلية الولاء والتبعية المطلقة للتنظيم، والذي يحقق حالة عليا من “الإيمان”. حينها تصبح الجماعة أو التنظيم أهم من الفكرة والعقيدة والرؤية، مع توسيع سياسة العداوة الدائمة، والتي يتم من خلالها تعميم ثقافة الإرهاب، من منطلق أنه من ليس معنا فهو ضدنا، وبالتالي فالنظر إلى بشاعة العمليات الإرهابية يجب أن يُنظر إليه من زاوية سياسة العداء.

بعدها، تتم عملية الإفراغ والشحن: الإفراغ من كل الأفكار السابقة ثم الشحن بالأفكار التي تغذي المرجعية الجهادية والتي تتم عبر الكتب التي يرجع إليها المتطرفون، مع التركيز على الحجج التي تستخدمها الجماعات من أجل التجنيد مثل: كفر الحاكم، جاهلية المجتمع، الحكم بما  أنزل الله، وجوبية الجهاد، حتمية المواجهة مع “الكفار”…

باختصار، لا يولد الإنسان “إرهابيا“، بل يصير “إرهابيا“.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *