لماذا يعود المتقاعدون إلى مزاولة مهن بعد تقاعدهم؟
لو أجرينا بحثا عن كلمة “تقاعد” على الإنترنيت، لامتلأت الشاشة بصور أشخاص بشعر أبيض، وتجاعيد على وجوههم تظهر تعب السنين. صورة رسمها الوعي الجمعي في مجتمعاتنا.
لماذا يعود المتقاعدون إلى مزاولة مهن بعد تقاعدهم؟ وما معنى أن تكون متقاعدا اليوم؟
في وعي أغلب المغاربة، تمثل فترة التقاعد مرحلة للراحة والاستمتاع بالأجواء العائلية والتخلص من تعب السنين.
يشكل التقاعد، من جانب آخر، آخر فترات عمر الإنسان؛ يتحول خلالها النظام الحياتي إلى روتين يومي، في انتظار أن تنقبض الروح.
غير أنها تحولت بالنسبة للبعض الآخر، إلى فرصة للانخراط في عمل جديد، إما مواجهة لمتطلبات الحياة، أو باعتبارها مرحلة جديدة يمكن استغلالها في تحقيق ما لم يُحقق سابقا. وربما ارتباطا بالعمل والمهنة.
معنى أن تكون متقاعدا؟
يرفض الأخصائي في علم النفس والمعالج النفساني، رضى محاسني، التصور المغلوط حول المتقاعدين، باعتبارهم فئة انتهت صلاحيتها، تجهز نفسها للموت.
المتقاعد، حسب رضى محاسني، إنسان له رغبات عاطفية، له رغبات اقتصادية، ربما يفكر في بداية إدارة مشروع معين، ربما له إمكانيات وحاجات لن يحققها إلا خلال هذه الفترة.
المعالج النفساني يضيف في تصريحه لمرايانا: “التقاعد مرحلة عمرية، تتسم بالانقطاع عن مزاولة نشاط رئيسي ربما شغل 80% من حياة الفرد، وبالتالي يغيب عنا ثقافة الاستعداد والترتيب والتدبير لهذه الفترة”.
المتقاعد، وفق رضى محاسني، هو إنسان مليئ بالتجربة، مكتبة متحركة وقاموس متكلم ومتحدث عن التجارب الحياتية والمهنية. لذلك، يجب التعامل معه على أساس كونه إنسانا ما زال قادرا على العطاء، لأنه في الدول الصناعية المتقدمة، يُستدعى المتقاعدون إلى العمل استفادة من تجاربهم السابقة في ظروف أحسن وأكرم، وعيا من هذه الدول أن المتقاعدين كنز متحرك قادر على منح وإعطاء حلول معينة ولو في زمن التكنولوجيا والرقمنة.
التقاعد بداية لحياة جديدة
مولود نايت الطوش، أستاذ متقاعد، يرى بأن أسباب عودته إلى العمل متعددة، تجمع النفسي والتربوي والأسري.
نايت الطوش، في تصريحه لمرايانا، اعتبر أن أول سبب جعله يزاول مهنة التعليم في إحدى المؤسسات الخصوصية، يتعلق بحبه للعمل، والإخلاص للمهنة التي راكم فيها تجربة لمدة 38 سنة من العمل.
يضيف مولود نايت الطوش: “العودة للعمل، جاءت من خلال قاعدة “مفيد ومستفيد”. ما زال في جعبتي الكثير وما زلت قادرا على العطاء، فلما لا أواكب وأستمر؟ التقاعد بالنسبة لي ليس إلا نهاية مرحلة وظيفية، مقابل بداية أخرى وإن في مجال غير المجال الذي يتقاعد فيه الإنسان”.
جانب آخر يشدد عليه مولود، إذ يقول: “ممارسة أنشطة معينة بعد فترة التقاعد، يساعد على التوازن النفسي، وتحمل الضغوطات اليومية، رغم كبر السن. حينما أستيقظ صباحا، وأعلم أن لدي عملا وانضباطا ونظاما، أعلم أنني ما زلت حيا، جسديا ونفسيا”.
لا يُخفي نايت الطوش أن عودته إلى العمل بعد التقاعد، ترجع أيضا إلى محاولته الابتعاد عن الاحتكاكات التي قد تنشب مع زوجته أو أبنائه؛ لأن الفراغ والجلوس في المنزل، يُساهم بشكل كبير في كثرة الصراعات الأسرية.
نايت الطوش يرفض فكرة القائلين بأن فترة التقاعد فترة راحة واستجمام، أو كما يقول له البعض (واش ما شبعتيش من الدنيا)، الأمر عنده لا يتعلق بذلك، إنما بالميل والمحبة للميدان. ويؤكد على أن هاته الفترة قد تكون فترة لتعلم أشياء قد نكون غفلنا عنها سابقا.
لم أتقبل فكرة التقاعد…
فكرة التقاعد كانت رهيبة عند الحاج المحمدي، لم يستطع تقبلها، أو التعايش معها.
الحاج المحمدي ممرض اشتغل لما يزيد عن 40 سنة في إحدى المستشفيات.
الحاج المحمدي يحكي لمرايانا: “لم أتقبل أبدا فكرة أنني سأتقاعد عن العمل، رغم أنني اشتريت منزلا في إحدى المدن حتى أنتقل إليه بعد تقاعدي، وذلك ما كان. لكنني عشت فيه شهرين فقط، قبل أن أعود أدراجي إلى المدينة التي اشتغلت فيها”.
يضيف المحمدي: “لا معنى لأن أجلس في المنزل دون فعل أي شيء. لا معنى لحياة غير منظمة… لم أستطع أن أتكيف مع جو التقاعد. عدت فقط لأكمل ما بدأت، لم أعد أجيرا لدى وزارة الصحة. لكن الأشخاص هنا ما زالوا يثقون في قدراتي، وما زلت أمارس بعضها، كلما نادى علي أحدهم وبشكل مجاني”.
…وتتعدد الأسباب
يرى ياسين حكان، الخبير المالي والمحلل الاقتصادي، أن أسباب عودة المتقاعدين إلى مزاولة أنشطة مهنية بعد تقاعدهم متعددة.
حكان يقول في تصريح خص به مرايانا: “أحد هذه الأسباب، ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية، بحيث إن المتقاعدين لا يجدون رعاية خاصة فيما يتعلق بالتأمين عن المرض، بالإضافة إلى هزالة التقاعد، على اعتبار أن فئة كبيرة من المتقاعدين يتقاضون تقاعدا بين 1000 إلى 4000 درهم في أحسن الأحوال”.
أحد الأسباب، وفق الخبير المالي، تتعلق بتفشي البطالة في صفوف الشباب، خصوصا في أوساط الخرجين، مما يُلزم بعض الآباء (المتقاعدين) مواصلة الإنفاق وتدبير حاجيات أسرهم.
يؤكد ياسين حكان على تجاهل الحكومة للمتقاعدين في الزيادات المبرمجة لموظفي القطاعات العمومية أو موظفي القطاع الخاص في إطار جولات الحوار الاجتماعي.
من جانبه، يعتبر الحسين أيت حدو، الأخصائي النفسي، أن مرحلة التقاعد، حسب نظرية النمو النفسي، مرحلة لتكامل الذات؛ أي أن الانسان يستعرض إنجازاته وإنتاجاته من أجل تحقيق التكامل النفسي والاجتماعي، أو الوقوع في مستنقع اليأس وخيبات الأمل.
الحسين أيت حدو يضيف في تصريحه لمرايانا: “الملاحظ أن أغلب المتقاعدين يعيشون نوعا من اليأس والتذمر بسبب مصاعب الحياة ومتطلباتها، وهذا يرجع لعدة عوامل، أبرزها: غياب سياسة واضحة تأخذ بعين الاعتبار البعد الإنساني خلال مرحلة التقاعد. لذلك، فإن أغلب الأمراض النفسية التي تصيب هذه الفئة، راجعة بالأساس إلى عدم قدرة النظام المجتمعي على تحقيق وتوفير الحاجيات الأساسية والعليا لهم”.
يؤكد الأخصائي النفسي على دور أصحاب القرار في وضع رؤية واضحة للمتقاعدين من أجل الاستفادة من التقاعد، بما يضمن لهم كرامتهم حتى لا يصبحوا عرضة لخيبات أمل والسقوط في فخ اليأس.
هناك عامل آخر، حسب الحسين أيت حدو، يرتبط بغياب رؤية واضحة لدى بعض المتقاعدين، وذلك بسبب ضعف المهارات الإبداعية والتخطيط الاستراتيجي من أجل ضمان مستقبل مالي أفضل.


