حميد برادة.. الصحافي الذي عاش المنفى وحمل الذاكرة
في الستينات، كان اسم حميد برادة مكتوبا في أحكام المحاكم وكتب الإعدامات، وبعد عقود صار وجهه مألوفا في البيوت المغربية كل أسبوع.
بين الصورتين، عاش برادة أكثر من ستة عقود متنقلا بين الحلم السياسي والمنفى والصحافة والشاشة. رحل مساء الجمعة 25 شتنبر 2026 عن 86 عاما، وترك أرشيفا من الحوارات، وحكايات عن مغرب ما بعد الاستقلال لم يُتح له أن يدوّنها كاملة.
مساء الجمعة 25 شتنبر 2026، فقدت الساحة الإعلامية المغربية أحد أبرز وجوهها، الصحافي والمحاور حميد برادة، عن عمر ناهز 86 سنة، بعد مسار طويل جمع بين النضال والصحافة والفكر.
كان يكفي أن يجلس حميد برادة أمام الكاميرا حتى يفهم الضيف أن الحوار لن يكون استعراضا. صوت رصين، وأسئلة تأتي متأنية لكنها لا تترك مهربا. هكذا عرفه المغاربة في برنامج “?Mais Encore” على القناة الثانية، الذي قدمه بين 2007 و2018 مستضيفا شخصيات سياسية وفكرية وثقافية بارزة.
…غير أن الرجل الذي بدا هادئا على الشاشة كانت بدايته أبعد ما تكون عن الهدوء.
وُلد سنة 1939 في طنجة الدولية، في أسرة وطنية أصلها من فاس. وفي شبابه دخل معترك الستينيات اليساري، فقاد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو أكثر النقابات الطلابية اليسارية تأثيرا في ذلك الوقت، وتولى تمثيل المهدي بن بركة في مؤتمر القارات الثلاث بكوبا بعد اغتياله.
خلال مرحلة الستينات، وبينما كان المغرب يغلي نتيجة المد اليساري، وجد الشاب حميد برادة، رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، نفسه مطلوبا للمشنقة: حكم غيابي بالإعدام دفعه إلى الهرب من وطنه، وحوّل مساره من قيادة النقابة الطلابية إلى المنفى، ومن العمل الحزبي إلى الصحافة التي سيصنع فيها اسمه لاحقا.
وفق شهادة لبرادة نقلتها هسبريس، جاء فراره في الليلة التي كانت فيها حرب الرمال على وشك الاندلاع بين المغرب والجزائر، وقد قطع الطريق متنكرا في هيئة يهودي. وبعد وصوله، اطلع على جريدة تدعو الطلبة المغاربة إلى تحديد موقفهم من الحرب. في اجتماع حضره بالجزائر، تحدث عن مسؤولية الملك الحسن الثاني في الصراع، وهو كلام يقول إنه لم يعد إلى سماعه أبدا بعد ذلك، لكنه كان السبب في محاكمته عسكريا بالمغرب ثم الحكم عليه بالإعدام.
ويكشف برادة في الشهادة نفسها تفصيلا غير متداول على نطاق واسع، يربط هذا الحكم بالمهدي بن بركة، الذي كان وقتها في مصر، والذي رجّحت بعض الروايات أنه هو من دفعه إلى ذلك الموقف. فبعد نحو أسبوع التقى برادة بن بركة، فعاتبه هذا الأخير على “حماقة” ارتكبها بتنديده بالحسن الثاني. ردّ برادة بأن بن بركة نفسه سلك المسلك ذاته. لكن بن بركة نفى الأمر، وأوضح أنه لم يقل سوى إن اليد التي أشعلت شرارة الحرب ينبغي إيقافها.
من المنفى خرج برادة بقرار حاسم: ترك العمل الحزبي واختار القلم والصورة. عمل في الصحافة المكتوبة والمصوّرة باللغة الفرنسية، ودرّس في الجامعة، وصار الحوار الصحافي فنّه الخاص. ومن أبرز ما يُذكر له أنه الصحافي المغربي الوحيد الذي حاور الحسن الثاني، لفائدة قناة كندية.
لم يكن حوار حميد برادة مع الحسن الثاني مجرد سبق صحافي، بل بداية علاقة معقدة مع القصر، وفق ما رواه برادة نفسه في حوار سابق مع “الشرق الأوسط”. أجرى الحوار في إطار فيلم كندي عن المغرب، تناول قضية الصحراء، ونُشرت فقرات منه لاحقا في مجلة “جون أفريك”. بعد الحوار، استدعاه الملك وسأله عن مشروع إصدار صحيفة، فأجابه بأنها ستكون مستقلة ماليا، وأدرك من ردة فعل الملك أن الجواب لم يكن في محله، إذ كان الملك يريد منه إصدارها.
حاول تدارك الأمر باقتراح إنجاز كتاب حواري مع الملك، على غرار تجربته مع القذافي وكتاب فرانسوا ميتران، فأمر الحسن الثاني رئيس حكومته عبد اللطيف الفيلالي بتخصيص عشر ساعات لذلك في شتنبر 1986، لكن اللقاء لم يتم. وحين التقاه بعدها ليلا في مراكش بحضور أحمد رضا اكديرة، اتفق الطرفان على طريقة العمل، لكن برادة لم يتلق أي جواب. أمام هذا الصمت، حفّز برادة جان دانييل، مدير “لونوفيل أوبسرفاتور”، على إجراء حوارات مع الملك، وتواصل مع مولاي أحمد العلوي لتنسيق الأمر.
لم تبدأ الحياة المهنية لحميد برادة من غرفة تحرير مغربية. فبعد أن غادر البلاد إثر الحكم عليه بالإعدام، استقر بفرنسا، حيث درس الفلسفة والقانون وعلم الاجتماع السياسي، ثم التحق بمجلة “جون أفريك”. عمل فيها مراسلا وكبيرا للصحافيين، ثم تولى رئاسة تحريرها بين 1974 و1985، وواصل التعاون معها بعد ذلك، وهي المرحلة التي رسخ فيها حضوره في الصحافة الدولية ووسع شبكة علاقاته مع شخصيات سياسية وفكرية في المغرب والعالم العربي وإفريقيا. بعدها، انتقل إلى التلفزيون مديرا لمنطقة المغرب العربي والشرق الأوسط في قناة TV5 .
إلى جانب الصحافة، اشتغل في التدريس الجامعي وأنجز فيلمين وثائقيين. ولم يعرفه الجمهور المغربي الواسع إلا حين استعاد حضوره معه عبر القناة الثانية، إذ قدم بين 2007 و2018 برنامج “?Mais Encore” الثقافي، وأدار فيه نقاشات مع شخصيات من الثقافة والفكر والحياة العامة.
في 2025، صدر الجزء الأول من “أنطولوجيا الحوارات“، وهو عمل من أكثر من 700 صفحة يضم مختارات من مقابلاته المنشورة بين 1977 و2012، وكان الجزء الثاني مرتقبا ليتناول حواراته التلفزيونية على القناة الثانية.
رحل حميد برادة مساء الجمعة 25 شتنبر 2026 عن 86 عاما، وترك حواراته أرشيفا لذاكرة المغرب السياسية والفكرية، وترك حكاياته التي لم تُكتب.
رحل، بعد أن سبقته الصحافة التي عرفها ومارسها إلى… الرحيل.



