“نازا”… فيلم وثائقي أنطق المخابرات الإسرائيلية من الداخل
يفتحُ الفيلم الوثائقي “نازا” ثغرة عميقة في السردية الرسمية للحرب على غزة، مستندا على شهادات مسربة من قلب المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية للكشف عن حجم الفظائع المرتكبة بوعي وبقرار عسكري ضد المدنيين الفلسطينيين.
الفيلم يغوص في كواليس الحرب على غزة وتفاصيلها الاستخباراتية عبر شهادات من الداخل، ليتحول من مجرد توثيق إلى شهادة إنسانية وسياسية تسائل العقيدة العسكرية الإسرائيلية وتكلفتها البشرية.
في مشهد نادر من التصفيق المتواصل لأكثر من 24 دقيقة، استقبل جمهور مهرجان البندقية السينمائي، العرض الأول للفيلم الوثائقي “نازا” (NAZA)، الذي يفتح ملفا شائكا حول الحرب الإسرائيلية على غزة من الداخل.
الفيلم، الذي أخرجه يوفال أبراهام وراشيل يوز، يعتمد على شهادات 24 ضابطا وجنديا إسرائيليا شاركوا في الحرب، من بينهم من عمل داخل وحدة استخباراتية سرية ترفع تقاريرها مباشرة لمكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ليكشف عن الآليات السرية التي استخدمت في عمليات المراقبة والاستهداف والقتل عن بعد. وقد صور العمل، البالغ مدته 80 دقيقة، في سرية تامة ليلا فوق أسطح المباني في تل أبيب على مدى 3 أعوام.
وقد اختار المخرجان تسمية الفيلم بـ”نازا” دلالة على المصطلح العسكري الاستخباراتي الإسرائيلي، للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في غارة جوية، أو ما يعرف بمصطلح “الأضرار الجانبية”.
يستند هذا العمل الوثائقي على سلسلة من تحقيقات استقصائية نشرتها، بين عامي 2023 و2025، مجلة “+972” الإسرائيلية، وموقع “حادثة محلية” الناطق بالعبرية، وصحيفة غارديان البريطانية، حيث أثارت تلك التحقيقات سجالا واسعا حول العقيدة العسكرية وآليات تحديد الأهداف في قطاع غزة، مميطة اللثام عن حدود المعرفة المسبقة لدى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بسقف الضحايا المدنيين المحتملين، وهامش “الخسائر الجانبية” المسموح به قبل صدور أوامر التنفيذ.
وقال مخرج الفيلم يوفال أبراهام لوكالة فرانس برس: “نحن نفسح المجال أمام الجنود والضباط للتحدث عما فعلوه”، مضيفا: “أردنا أن نسمع، وبأكبر قدر ممكن من التفاصيل، كيف كانت تبدو منظومات القتل في غزة وكيف كانت تعمل”.
وحول الانتقادات الموجهة للفيلم، قال أبراهام: “بصراحة ليس من السهل الوقوف هنا والتفكير في كل السياسيين والصحفيين الإسرائيليين الذين يهاجمون الفيلم الآن ويرفضونه دون حتى مشاهدته. تُبذل جهود هائلة لتجنب النظر إلى الواقع”.
هجوم إسرائيلي… شماعة “الخيانة”
لم تمر الأصداء الدولية للفيلم دون إثارة سخط واسع دخل إسرائيل؛ إذ واجه العمل ومخرجاهُ هجوما حادا من مسؤولين وسياسيين بارزين.
لم يجد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار أمام هذا الجدل إلا أن يصف مخرجي الفيلم بـ”الخيانة“، مهددا بسحب الجنسية منهما. ولم يقف الوزير عند هذا الحد، بل وصف الفيلم بأنه “حقير”، والجائزة بأنها “مشينة”، متهما صانعي الفيلم بالسعي إلى “استحسان المعادين للسامية في جميع أنحاء العالم”.
في نفس الاتجاه، ذهب وزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني المتطرف، المنضوي في ائتلاف المعارضة ضد بنيامين نتنياهو، إلى وصف الفيلم بــ”حملة تشهير وافتراء ضد دولة إسرائيل، وجيش الدفاع الإسرائيلي، ومقاتليهم البواسل”، وسخر في الوقت نفسه من المهرجان، واصفًا إياه بـ”المعادي للسامية”.
من جانبه، رد الجيش الإسرائيلي، في بيان له عقب تتويج الفيلم في مهرجان البندقية، معبرا عن رفضه القاطع للادعاءات الواردة في الفيلم بشأن القتل الجماعي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في غزة. وشكك الجيش في مصداقية الشهادات المجهولة الهوية التي استند عليها الفيلم، معتبرا أنها “لا يمكن التحقق منها”، مؤكدا أن الجيش يبذل جهودا غير مسبوقة للحد من الأذى الواقع على المدنيين خلال عملياته في القطاع.
نقد من الداخل
فيلم “نازا” لا يعد حالة معزولة في المشهد السينمائي الإسرائيلي، بل يأتي امتدادا لتيار اختار توجيه الكاميرا نحو الداخل لفضح سياسات جيش حكومتهم.
“لا أرض أخرى”، “الطنطورة”، “الركبة”، “الشرطي”… كلها أفلام اختارت توجيه الكاميرا نحو الداخل بعيدا عن الروايات الرسمية، من أجل تفكيك أسطورة التأسيس وكشف الجرائم المسكوت عنها



