هشام روزاق يكتب: الفاشدون… إذا اختلف الساسة، ظهر المال العام
الفاشدون أو حين يجتمع الفشل والفساد، هم عنوان النكتة الديمقراطية في المغرب. نكتة أنتجت مجلس نواب فاشل، ومجموعة نواب فاسدين. لم يتفوقوا في الفشل، ولم ينجحوا حتى في ممارسة الفساد بذكاء.
النكتة، أن السياسة في بلدي أكدت أنها أصبحت أشبه بحكاية الشركاء الذين يتقاسمون الخراب… الشركة أفلست، والعقار انهار وتحول إلى خراب… وليس يهم الشركاء في النهاية سوى تقاسم الأنقاض.
… ونحن نعيش قسوة الأقدار ضدنا في هذا الذي يسمى انتخابات تشريعية في دولة المؤسسات وفصل السلط، يبقى المثير للشفقة والتعاطف، بل وفي أحيان كثيرة للتضامن، هو ذلك الجنوح المَرَضي لدى بعضهم نحو تحويل قضية الانتخابات والحملة الانتخابية… إلى أمر جدي، يمكن أن نناقشه وفق أدوات المنطق وترتيبات العقل.
الانتخابات في دولة المؤسسات وفصل السلط والمجتمع الديمقراطي الحداثي، لم تكن قط أمرا جديا. كانت في الغالب، مزحة. كانت نكتة نستعيدها كل خمس سنوات، ونحاول في كل مرة، من فرط إعجابنا بحالة القهقهة الديمقراطية التي تتسبب فيها لنا، أن نستثمر فيها… أن نرفع من سقف مصاريف المال العام الموجه نحو تحسين تفاصيل النكتة.
نكتة… تنتج لنا في أحسن الأحوال، مجموعة من “النكايتية الكبار” مهمتهم الأسمى، هي الحفاظ على الموروث الشفهي لقاموس الرومانسية والرقة في اللهجة المغربية، من قبيل: “ضريب الغرزة، التقزدير، نعاودو للمغاربة التربية، الشناقة، الفراقشية…”.
نكتة… أنتجت لنا خلال الولاية التشريعية (2021–2026)، على سبيل الحصر والتحسر، 55 نائبا، من أصل 395، تمت متابعتهم أو إدانتهم في قضايا مرتبطة بالفساد أو خرق القانون، أي حوالي 14 بالمائة من أعضاء مجلس النواب.
يعني… النكتة الديمقراطية في المغرب، يمكن أن يكون عنوانها الأكبر، هو “الفاشدون المؤسساتيون”، فهي أنتجت مجلس نواب فاشل، ومجموعة نواب فاسدين. لم يتفوقوا في الفشل، ولم ينجحوا حتى في ممارسة الفساد بذكاء.
لكن… ولأننا شعب يحب الضحك (الحقيقة لا أحد يمكن أن يجزم إن كنا نحب الضحك، أم أننا فقط نقاوم حالة التعاسة المزمنة)، فقد قرر هذا “الفشاد المؤسساتي”، أن يستثمر أكثر في هذه النكتة، لتقرر حكومة المنتهية خدمته أخنوش رفع دعم الحملات الانتخابية التشريعية بــ 150 في المائة مقارنة بالنكتة/ الانتخابات السابقة، وليصل رقم الدعم إلى 450 مليون درهم من أجل تمويل الحملات الانتخابية التي تقوم بها الأحزاب السياسية المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 2026، كما رفعت الحكومة، في نفس الوقت، سقف المصاريف الانتخابية للمرشح إلى 600 ألف درهم لكل مترشح أو مترشحة.
طبعا، كل هذه الأرقام المذكورة أعلاه، ليست سوى الجزء الظاهر من ميزانية النكتة الديمقراطية، إذ أنها لا تشمل، مثلا، النفقات المرتبطة بالإدارة والتنظيم واللوجستيك والاقتراع والموظفين وتجهيز مراكز التصويت وطبع الوثائق الانتخابية وغيرها.
… وهكذا “ماخلات ليكم حكومة أخنوش ما تقولو… بقيتو تابعينها (حقة، زادت فـ الأسعار والمحروقات واللحم والما والضو)… هاهي زادت ليكم تا فـ أسعار الديمقراطية. ولا غلا على مسكين”.
لأجل كل ذلك، لن يفيد في شيء التعامل مع الانتخابات كأمر جدي… علينا أن نأخذها كما هي. أن نعيشها كما تفعل “صحافة أخنوش” وهي تقدم لنا العرس الديمقراطي المغربي كما لو أنه “موسم مغربي عتيق” تتنافس فيه القبائل على تقديم أكبر الخيام وأكثرها توفيرا للذبائح والولائم (ولا يهم هنا إن كانت الخيام خيام عزاء للسياسة، والذبائح… ديمقراطية ومؤسسات).
صحافة أخنوش اكتشفت، فجأة، أن بعض الذين غادروا حزب أخنوش نحو حزب لقجع أو غيره، هم مجرد فاسدين استغلوا مناصبهم وسلطهم وتاجروا في الغنم وراكموا الثروات. ونسوا أن يخبرونا أنهم فعلوا ذلك (إن كان ما تقوله صحافة أخنوش صحيحا طبعا) وهم منتمون لحزب أخنوش. أي ان الحزب هنا، يفترض أنه شريك في تلك التهمة التي يفترض أن يحقق فيها القضاء.
الأغرب… أن بعض صحافة أخنوش، وهي تواجه “ضربة الجزاء في الدقيقة 90 للديمقراطية”، والتي حدثت عقب نزول لقجع على حزب البام (أجمل ما في السياسة عندنا أنها مرتبطة دائما بفعل النزول)، لم تستطع المجازفة بـ “مصداقيتها وسمعتها المهنية”… فلجأت إلى تقنية “سل الشعرة من العجين”، أي: محاربة البام صراحة والتطبيل للقجع في حدود المسموح به أخنوشيا، يعني… “القلب مع علي والسيف مع معاوية”. أما الصحافة في الحكاية هنا… فـ “ذهب الحمار بأم عمرو… فلا رجعت ولا رجع الحمار”.
النكتة الديمقراطية عندنا، لم تقف عند حدود نزول لقجع إلى البام، أو عند نزول أخنوشيين سابقين إلى البام، أو عند نزول من هب على من دب ولا حتى عند استمرار النزول. النكتة، أن السياسة في بلدي أصبحت، أو لنقل أكدت، أنها أصبحت أشبه بحكاية الشركاء الذين يتقاسمون الخراب… الشركة أفلست، والعقار انهار وتحول إلى خراب… وليس يهم الشركاء في النهاية، سوى تقاسم الأنقاض.
شركاء… أداروا الشركة لمدة خمس سنوات، وتصرفوا في أموال المساهمين والعمال والموظفين، واتخذوا كل قراراتهم مع بعض، وحملوا الشركة نحو الإفلاس، ثم…
اكتشفوا فجأة، أن بعضهم “فراقشي” وبعضهم باع “الفروماج الفاسد” للمساهمين، وبعضهم “ربح الفلوس” من الدعم على الأغنام ومن الصفقات العمومية واستغلال السلطة…
… النازل الجديد على التراكتوقراطيين القدامى، فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في حكومة المنتهية خدمته أخنوش، قال إن الحكومة التي كان فيها عمليا هو “مول البزطام”… قامت بتبذير 280 مليار درهم بدون فائدة…
ثم… جاء برلماني شيشاوة هشام المهاجري، ليذهب أبعد من تقاسم الخراب، وليكشف أنه ظل ساكتا على فساد مريع، مفاده أن برنامج “فرصة” الذي أعلن عنه المؤثرون واليوتوبيون في حكومة الكفاءات، كانت قد (أخذت) صفقته شركة تابعة لمجموعة “أكوا”، التي يسيرها أخنوش إلى جانب الحكومة، وأن هذه الشركة، يقول المهاجري، من موقع عملها مع الحكومة، تحصلت على المعطيات الشخصية لــ 200 ألف شاب مغربي كان يبحث عن “فرصة”… وأن نفس الشركة التابعة لـ “أكوا” التابعة لأخنوش الذي تتبع له الحكومة… هي التي تقوم بإدارة حملة حزب أخنوش…
… وكل هذا طبعا، دون أن ننسى الكارثة التي ننتظر أن يباشر القضاء التحقيق فيها، والتي فجرها البرلماني السابق، القابع في السجن، رشيد الفايق…
يعني…
الشركاء في تسيير دولة المجتمع الديمقراطي الحداثي ودستور فصل السلط، ظلوا، طيلة 5 سنوات، يتسترون على ما يعتبرونه، فضائح وفساد وجرائم بعضهم، ثم “خرجوا علينا” (وهذه تقرأ بالدارجة) يفضحون بعضهم. لكن…
إذا كان الأصل في الحكاية، أن فقهاء التحقيقات الجنائية يعتمدون قاعدة “إذا اختلف اللصوص، ظهر المسروق”، فإننا للأسف، في السياسة لا نستطيع القياس على نفس القاعدة…
… ففي السياسة، قد يختلف الشركاء، وقد نتعرف على حجم الفساد والتبذير… لكن ذلك، لا يعني بالضرورة ظهور المسروق. ولكم في 280 مليار درهم التي كشف عنها لقجع… ما يستعصي على كل قياس.
القياس في اصطلاح أصول الفقه، هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة منصوص على حكمها، لاشتراكهما في علة الحكم. في السياسة، لن يمنحك لقجع وأخنوش وبركة وبنعبد الله وبنكيران (والباقي) سوى… العلة. والعلة في مكر اللغة هنا… السقم.
“الفشاد المؤسساتي”، أنتج مجلس نواب فاشل، ومجموعة نواب فاسدين. لكنه وسط كل هذا البؤس، ظل مصرا على تحويلنا إلى نكتة…
ظل مصرا على تذكيرنا أن لا واقعة جدية تستحق منا كل هذه الصرامة والجدية والحزن.
طلقوها تسرح كما الأحزاب طالقاها تسرح… وكما المؤسسات طالقاها تسرح… و ربطو السلوقية ديال البرامج الانتخابية والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. الأحزاب اللي دايرة الحملة راه الكثير منها أصلا، دايرة دراسات كلفت خزينة الدولة 2 مليار سنتيم… وهي غا ناقلاها من غوغل.
دعونا نضحك… ونستمتع بالنكتة… ففي زمن “Aqua” أخنوش… ليس مهما من يعيش في الــ “aquarium” ومن يتفرج على الأسماك الحمراء ذات الذاكرة القصيرة.
وهذا… بعض من كلام.



