محمد امحاسني: أحمد الريسوني والغباء الاصطناعي
المؤكد أن أحمد الريسوني يعرف بأن أشهر الملحدين الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي من خلفية سلفية في الأصل، قرأوا القرآن جميعا وتدبروه مئات المرات، وقرأوا التفاسير المعتبرة، بل صاروا يصححون للشيوخ معلوماتهم وهم يناظرونهم.
تعالي الفقهاء والمؤسسات الدينية، الموروث من زمن الشح في المعلومة، أوهمهم دهرا بأن قلاعهم ستظل حصينة إلى الأبد. لكن حين استفاقوا على نيران العلم وهي تندلع في حصونهم، فضلوا إطلاق سهامهم على المارة، عوض مسائلة الذات عن سر الهزال المزمن في أساسات بنيانهم.

نشر موقع إسلامي (مركز الشهود الحضاري للدراسات الشرعية والمستقبلية!) مقالا للفقيه المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني، بعنوان “الغباء الاصطناعي أيضا”، بتاريخ 21 ماي 2025، اتهم فيه الدكتور فئات من الناس بالغباء الاصطناعي.
والمقصود بهذا العنوان “البليغ جدا”، هو أن هذه الفئات “يتجاوزون ذكاءهم الطبيعي، إلى غباء يصطنعونه ويعتمدون عليه، للتملص من مقتضيات العقل والذكاء الحقيقي، الذي وهبهم الله إياه، وليبرروا ما يخدم أغراضهم وأهواءهم الدنية”.
وقبل الوقوف عند كيفية تعطيل هؤلاء، لملكة العقل بهدف الانصراف إلى أهوائهم الدنية، لنتعرف مع الدكتور أولا على هذه الفئات وعلى منطلقاتها الفكرية، لتتضح لنا الصورة بما لا يدع لأحد مجالا للافتئات على الرجل أو تحريف مراميه.
هذه الفئات هي بالترتيب:
1- فئة الملحدين:
الذين “ينكرون الأديان والنبوات، وقد يزعمون حتى إنكار خالقهم ورازقهم ونفيَ وجوده بالمرة”. ويحتج على هؤلاء بكون “الأبحاث والحقائق العلمية الكونية اليوم، تكشف أن في كل شيء آيات لا تحصى، تدل على البارئ المصور، الواحد الأحد”. وحتى إن وُجد بعض “التشكك والتحير برهة من الزمان، لدى بعض الأفراد، بسبب إشكالات فكرية، أو اضطرابات نفسية أو اجتماعية” فسرعان ما يتأكد المرء من أن الإلحاد مستحيل.
2- فئة السوفسطائيين اللاأدريين، أو: منكرو الحقائق:
وهؤلاء يرون أن “كل ما يُظن أنه حقائق وجودية، عقلية أو حسية أو نقلية، يمكن نقضه ونفيه، ويمكن إثبات ضده أو أضداده”. (الإنسان هو مقياس كل شيء) واستشهد الدكتور بحكاية لابن الجوزي، مؤداها أن رجلا (لم يسمه) ناظر بعض المتكلمين (لم يسمهم أيضا). وفي إحدى المرات، أخفى أحد هؤلاء الدابةَ التي أتى عليها الرجل، فلما تفقدها الرجل ولم يجدها، أصر على كونه متأكدا من مجيئه على متنها. وهنا جابهه المتكلم بالقول: “فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء، وأنَّ حال اليقظان كحال النائم؟ فوجم السفسطائي ورجع عَنْ مذهبه”.
بخصوص اللاأدريين لم يقدم لنا الدكتور أية إفادة، ربما لأنه يعتقد بأنهم يتبنون نفس الطرح. (المقارنة الزائفة)
3- أصحاب الفلسفة العبثية:
ويرى عرابوها “أن هذه الحياة لا معنى لها، وأنها ليست سوى مجموعة من الحوادث والتصرفات العبثية”. وهي حسب الدكتور “تطوير وصياغة حديثة للفلسفة السفسطائية اليونانية”، ولذلك يدعوا أصحابها “إلى الانتحار ويمجِّدونه” بل إن “بعضهم انتحروا فعلا، وبعضهم قالوا ولم يفعلوا”.
4- فئة عُـبَّـاد الحكام:
ومن هؤلاء، حسب الدكتور، بعض بني أمية الذين “كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب”، وبعض شيوخ العباسيين الذين قالوا بخلق القرآن، إرضاء للخليفة.
في خلاصة تحليله “المعمق”، يتحدث الدكتور عن “دواعي اللجوء إلى الغباء الاصطناعي”، حاصرا إياها في داعيين: إما الأمراض وإما الأغراض. أي أنهم إما “يرون أنفسهم فلاسفة مفكرين، وحكماء متنورين، فليسوا بحاجة إلى من يعلمهم”، وإما خوفا من أن تضيع “عليهم مكاسبهم المادية، ومراتبهم الدينية”. هؤلاء “عرفوا الحق واستيقنوه، ولكنهم جحدوه واستكبروا عن قبوله والإذعانِ له”.
ثم يختم الدكتور بمثال دال على جحود الملاحدة، فيقول: “قيل لأحد الملحدين: لماذا لا تقرأ القرىن وتتدبره، للتعرف مباشر على حقيقته؟ فقال: حاولت ذلك مرة، فبدا لي أنه سيقلب حياتي رأسا على عقب، فتركته، ولا أريد العودة إليه”.
مقال يضج بالمغالطات المنطقية من كل نوع وصنف، وهي نفس المغالطات التي يستعملها الإسلاميون وبعض دعاة نظرية الخلق من المسيحيين، في محاولة يائسة لكبح جماح الانتشار المرعب لللادينية في السنوات الأخيرة بين الشباب.
أول المغالطات التي تكاد تنط من عنوان المقال هي مغالطة “تسميم البئر”: فالدكتور يتعمد، منذ البداية، وسم كل مخالفيه بالغباء، بما يرسخ في ذهن القارئ البسيط بأن كل ما يقوله هؤلاء لا يعدو كونه محض غباء، وبأن ما سيسوقه الدكتور من “حجج” عليهم هو عين الصواب.
هذه المغالطة جزء من مغالطة الشخصنة، حيث يتم التركيز على شخص الخصم عوض التركيز على فحوى كلامه.
وهي نفس المغالطة التي يرتكب الدكتور حين يتحدث عن تملص خصومه من ملكة العقل لأجل أغراض “دنية” (أي ساقطة أو خسيسة)، تاركا للقارئ مهمة ملء الفراغات، ومنها طبعا، الزنى وشرب الخمور واللواط.
يعرف الدكتور جيدا بأن الإلحاد لا يعني إنكار وجود ذات إلهية في المطلق، بل فقط إنكار الدلائل التي يقدمها المؤمنون على وجود إله مطلق القدرة والمعرفة، يتحكم في كل صغيرة أو كبيرة، لكنه يتعمد التدليس لخلط الأوراق. وحين يمر لتبيان مكامن القصور الفكري للملاحدة وإقامة الحجة على وجود الله، يدعي وجود أبحاث وحقائق علمية برهنت على الوجود الإلهي، دون أن يشير إلى أي من تلك الأبحاث، على افتراض وجودها.
لكن مهلا، لو قيض لبحت علمي ما، أن أَثبت مخبريا وجود ذات إلهية أيا كانت، لكان الإيمان قد تحول بالضرورة ليقين علمي، ولكان قد أصاب اللادينيين قاطبةً، خِزي مبين.
في انتظار مثل تلك الأبحاث، يكتفي الدكتور بالمغالطة الشهيرة: “الرنجة الحمراء”، حيث يعمد إلى تشتيت انتباه القارئ بدعوته إلى التأمل في الآيات التي لا تحصى، والدالة على أن هناك “خالقا مصورا واحدا أحدا”.
الدكتور هنا لا يفصح عن كون العملية مجرد تأمل ذاتي مثير، يليه القفز مباشرة إلى نتيجة (مُبيتة)، دون تبيان الارتباط المنطقي والسببي بين عملية التأمل والنتيجة المدعاة. المهم هو المصادرة على المطلوب. وتلك مغالطة أخرى، قد نعود إليها.
شخصيا، لا أدري ما الرابط بين السفسطائية كاتجاه فكري قديم، (يستعمل اللفظ عادة كتهمة بغرض التقليل من التماسك الفكري والمنطقي للخصم)، وبين اللاأدرية كأحد التمظهرات الممكنة للادينية.
السفسطائية، بعيدا عن الكليشيهات المعتادة، رفض تام لكل الفلسفات السابقة التي كانت تعتبر الإنسان آلة في خدمة أجندة متعالية، لا نعرف كنهها على وجه التحديد. ولذلك صار تعبير “الإنسان مقياس كل شيء” عند السفسطائية تعبيرا كونيا ينتصر للإنسان باعتباره المصدر الوحيد للمعرفة. ولهذا بالضبط تمت معاداة السفسطائية.
بينما اللاأدرية مرتبطة بموضوع وجود إله من عدمه، تعني فقط: أنا لا أومن بآلهة الأديان “السماوية” المعروفة حتى اليوم. لكن بخصوص احتمال وجود إله، أو آلهة، (خلقت الأكوان، دون أية رغبة في التحكم فيها، أو معاقبة المارقين عن شرائعها المفترضة مثلا)، فأنا لا أملك، إلى حدود اليوم، وسائل القياس الكافية للحسم في احتمال وجود آلهة بتلك المواصفات، من عدمه.
فيمَ الخلط إذن؟
لأنهم يحاولون عبثا، التعتيم وإرباك الأذهان: الملحدون سفسطائيون، لا أدريون، يهود متخفون، مجوسيون، كنسيون، وثنيون وعباد شهواتهم وحكامهم..
وهم مضطرون لعقد هذا التناظر الزائف بين الإلحاد وأية نظرية “علمية”، فلسفية، ثيولوجية (تنبني على قواعد تفكير وسلوك محددين)، فقط بغرض إيهام المتلقي بأن لتلك النظرية علاقة ما بالإلحاد. حتى ولو كان صاحبها قسا أو فقيها في الأصل. وهي مغالطة تسمى: المقارنة الزائفة.
عن موضوع الارتهان للحكام، ولكيلا يورط نفسه في اتهامات لجهات أو أشخاص يعيشون بين ظهرانينا، قد يلزمونه لاحقا بإثبات صدق ادعاءاته، استحضر الدكتور أمثلة عن فقهاء بلاط من العصرين الأموي والعباسي. علما بأن الكثير منهم مازالوا إلى اليوم مراجع في الفقه وعدولا وضباط فيما يتصل بسند الأحاديث الصحيحة المعمول بها.
ولا نحتاج للتذكير دوما بأن جهابذة الفقه، أفتوا بوجوب الطاعة المطلقة للحاكم حتى (ولو كان عاضا)، وقتل ِكل من نافسه في الحكم. لكن إن ظهر علينا، لا سمح الله، حاكم جديد عاض، نجح في إزاحة حاكمنا السابق، فله السمع والطاعة!
فهل كل هؤلاء أغبياء، أم أن الخلل في جهة أخرى؟
أخيرا وبخصوص الملحد الذي رفض التدبر في آي القرآن لئلا تنقلب حياته رأسا على عقب، فالأمر يتعلق بواقعة مختلَقة، لانعدام أية معلومة يمكن الاستدلال بها على السائل والمجيب.
لكن المؤكد أن الدكتور يعرف بأن أشهر الملحدين الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي من خلفية سلفية في الأصل، قرأوا القرآن جميعا وتدبروه مئات المرات، وقرأوا التفاسير المعتبرة، بل صاروا يصححون للشيوخ معلوماتهم وهم يناظرونهم.
تعالي الفقهاء والمؤسسات الدينية، الموروث من زمن الشح في المعلومة، أوهمهم دهرا بأن قلاعهم ستظل حصينة إلى الأبد. لكن حين استفاقوا على نيران العلم وهي تندلع في حصونهم، فضلوا إطلاق سهامهم على المارة، عوض مسائلة الذات عن سر الهزال المزمن في أساسات بنيانهم.



