المفتش التربوي: أوراق القسم الله يخليك! - Marayana
×
×

المفتش التربوي: أوراق القسم الله يخليك!

أن يشتغل الأستاذ طوال السنة لوحده، مدركا خصوصية قسمه وما يصلح ومالا يصلح له، ويأتي في آخر السنة المفتش التربوي لمرة واحدة فقط، ويظل في القسم لمدة لا تتجاوز خمس أو عشر دقائق فقط، ثم ينقط عمل المدرس ويحكم على عمله الذي استمر طوال السنة من خلال خمس دقائق، فهذا ليس تفتيشا ولا افتحاصا وإنما حيف ممأسس باسم المراقبة والتأطير.

تسير الحياة اليوم بسرعة تتجاوزنا جميعا نظرا لخصوصية العصر الذي نعيشه، فالتحول الرقمي والتكنولوجي جعل عدد من المهن تندثر أو على الأقل يمسها تحول جوهري في طريقة أداء خدماتها وكذلك وظيفية هذه الخدمات. مما يجعل التجديد والتكوين المستمر والتأطير والمواكبة حجر الزاوية للحفاظ على الهوية المهنية، بل ومهنية الأطر والفاعلين العاملين بمختلف القطاعات مهما كان نوعها.

أحد أهم القطاعات التي طالها التحول وتتطلب التجديد المستمر ومواكبة الفاعلين وتأطيرهم لضمان خدمة تجيب على حاجيات المجتمع وقادرة على التصدي للتحديات المطروحة: هو قطاع التربية والتعليم.

من جيل لآخر، تختلف غايات التربية والمرامي التي تسعى كل منظومة تحقيقها. فبالأمس القريب جدا، كان الرهان الأكبر هو تعميم التمدرس – ولو على حساب الجودة – لكي ننتج أطرا مغربية منخرطة في بناء الوطن. يتعلق الأمر هنا باختيارات ومبادئ التربية والتعليم بعد الاستقلال. فالمغربة، التوحيد، التعميم والتعريب شكلت لبنات لإصلاح التعليم عبر جعل ما ننتجه داخل هذه المنظومة مغربيا خالصا. الشيء الذي نجده متجاوزا في ميثاق التربية والتكوين، فخصوصية تلك الفترة فرضت إصلاحات جوهرية أخرى لعل أبرزها تطوير مقاربة التدريس من بيداغوجيا الأهداف إلى المقاربة بالكفايات. لأن التحول المهني فرض آنذاك تعليم يقوم أساسا على حل المشكلات وليس فقط استظهار وتطبيق آلي لما تم حفظه. نفس التحول عشناه بعد الرؤية الاستراتيجية ولا زلنا نعيشه اليوم مع المدرسة الرائدة.

عبر مختلف هذه المحطات، احتاجت الأطر الفاعلة في القطاع – نخص بالذكر هنا الأساتذة والأستاذات – إلى تكوين يتماشى مع طبيعة كل مرحلة. المشرفون بالدرجة الأولى على تكوين هذه الأخيرة هم المفتشون. فما هو دورهم؟ وكيف يقومون به؟

حسب النظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية تتولى أطر التفتيش التربوي بما يلي: المساهمة في تتبع وتقويم التعلمات بالتعليم الأولي والابتدائي والثانوي وأسلاك ما بعد البكالوريا. ويتحدد دورها أساسا في التفتيش والافتحاص، التأطير والمواكبة، المساهمة في تتبع وتقييم مردودية مؤسسات التربية والتعليم في المجال التربوي، المراقبة والتقييم، البحث والتكوين في المجال التربوي.

لنترك كل المهام جانبا ولنركز على المهام التالية: التفتيش، الافتحاص، المراقبة. هذا شعار جزء كبير من المشتغلين بهذه الهيئة. فطوال السنة، يعاني المدرس الأمرين بسبب إشكالات القسم العديدة: الاكتظاظ، أقسام مشتركة وما تطرحه من صعوبات كنا قد تحدثنا عنها في مقال سابق، صعوبات وتعثرات عميقة، نقص الوسائل الدراسية… دون دورات تكوينية تستهدف أساسا هذه التحديات. وعند زيارة المفتش له أو لها في القسم، أول ما ينطق به يجسد تماما نفس منطق تعامل الدركي مع سائقي السيارات: ”أوراق السيارة الله يخليك” لكن هذه المرة: ”أوراق القسم الله يخليك!” أين الجذاذة؟ أين المذكرة؟ أين أهداف الحصة؟ لماذا كتب التلميذ فلان التاريخ بالأخضر؟ أين دفتر الدعم؟ لماذا تم تقسيم السبورة بهذا الشكل؟ أين هي الأركان التربوية؟ لماذا لا تستعمل الوسائل التكنولوجية، لماذا اخترت هذا النشاط؟ عليك تقديم هذه الوضعية، لماذا كذا وليس كذا… هذا هو دور المفتش. التدخل في كل صغيرة وكبيرة والمساءلة عن كل اختيار بيداغوجي قام به المدرس مهما بدا له صائبا.

في المنظومات التربوية المتقدمة، يساءل المدرس فقط عن الحصيلة. هل تم تحقيق الهدف المنشود والكفاية المتوخاة خلال سنة معينة أم لا؟ هل تطور مستوى المتعلمين أم لا؟ أم الطرق التي سيسلكها تبقى للأستاذ صلاحيات واسعة في تبنيها. أما في حالتنا نحن تتم مساءلة أطرنا تربوية عن أشياء هامشية وإن بدت مهمة إلا أنها لا ترقى لجوهر التقييم الحقيقي.

صحيح أن ممارسات بعض الأساتذة تتطلب من المفتشين التعامل بمنطق ”أوراق القسم الله يخليك” فالتأخر في الحضور والتعجيل في الخروج وعدم التخطيط للحصة… يستدعي التعامل بهذه الآليات التي تبدو رقابية تقنية لا علاقة لها بالتأطير التربوي. لكن أن يصبح هذا الأمر معاشا باستمرار ومترددا إلى حد يجعل الأستاذ في بداياته يعتقد أن لا حق له على المفتش من تكوين وتأطير ومواكبة.. أمر يجعل الأستاذ يهتم فقط بتدبير كل ما هو تقني متناسيا النظرة البيداغوجية والديداكتيكية التي ينبغي أن يستحضرها كمدرس.

لا بأس من التفتيش والمراقبة والافتحاص فهي آليات على كل حال تخدم المدرسة من خلال توجيه عمل المدرس. لكن، أن يشتغل الأستاذ طوال السنة لوحده، مدركا خصوصية قسمه وما يصلح ومالا يصلح له، ويأتي في آخر السنة المفتش لمرة واحدة فقط، ويظل في القسم لمدة لا تتجاوز خمس أو عشر دقائق فقط، ثم ينقط عمل المدرس ويحكم على عمله الذي استمر طوال السنة من خلال خمس دقائق، فهذا ليس تفتيشا ولا افتحاصا وإنما حيف ممأسس باسم المراقبة والتأطير.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *