الراب المغربي أمام القضاء: عندما تتحول القوافي إلى تهم جنائية - Marayana
×
×

الراب المغربي أمام القضاء: عندما تتحول القوافي إلى تهم جنائية

خلال السنوات الأخيرة، لم يعد السجال حول أغاني الراب في المغرب متعلقا فقط بالقيمية الجمالية أو نوع الموسيقى، بل تحول إلى ملفات قضائية يتابع فيها شباب بموجب فصول من القانون الجنائي.
تحول فتح نقاشا حقوقيا واسعا حول حرية التعبير والرأي، خاصة في ظل تكييف النصوص الغنائية بأدوات القانون الجنائي، مما يهدد حسب كثيرين روح الإبداع ويصادر حق جيل كامل في التعبير عن تطلعاتهم ومشاكلهم بلغة يفهمها هؤلاء، وبذلك أصبحت كل أغنية اختبارا حقيقيا لحدود التعبير في المشهد الفني المغربي.

بوز فلو، مهدي بلاك ويند، الرائد، صهيب قبلي

أسماء متعددة لتجارب موسيقية تمتد من الهامش لتلامس أحيانا خطوط التماس السياسية والاجتماعية.

فن الراب الذي بدأ من الشارع، حاول هؤلاء أن يعيدُوه للشارع، لا بوصفه مجرد نمط موسيقي ممتع وترفيهي، بل باعتباره لسان حال الهامش وصوت الفئات التي لا تجد لنفسها مساحة أو منابر رسمية للتعبير.

رحلة إبداعية، ربما لم تعترف بالخطوط الحمراء، وجدت نفسها في مواجهة المتابعات القضائية بتهم تتراوح بين “إهانة هيئات دستورية” و”التحريض عبر الوسائط الإلكترونية“.

المفارقة أن الرعيل الأول، أو الجيل التأسيسي لفن الراب بالمغرب، كان حينها يُصدر إنتاجات تنتقد وترفض وتلامس متطلبات الشارع، لكنها لم تتعرض يوما للمضايقة أو الاعتقال أو المحاكمات، في حين أن الجيل الجديد حُوِّل معه النقد الفني إلى “تكييف جنائي“…

ربما يتعلق الأمر كذلك بكون أغلب هؤلاء الذين يتابعون اليوم، كان لهم صوت وموقف خلال احتجاجات جيل زد، بين مشاركة أو تضامن رقمي صريح… لذلك، يظل السؤال معلقا حول أسباب الاعتقال!

و… ربما يتعلق الأمر بالزخم الجماهيري، فالراب اليوم أصبحَ يشكل وعيا جديدا لجيل كامل من الشباب؛ جيل يتلقى الكلمات بوصفها تعبيرا عن خيباته وتطلعاته.

هذا الامتداد الكاسح جعل من كلمة “الرابور” قوة تعبوية مؤثرة، تجاوزت مجرد الإبداع إلى فضاء تؤثر كلماته في الرأي العام وتشكل بوصلته.

من الشارع إلى الزنزانة

آخر فصول الاعتقال في صفوف مغنيي الراب، كان اعتقال المهدي اليوبي المعروف فنيا بـ”المهدي بلاك ويند”.

“بلاك ويند” القاطن بالديار الفرنسية، كان قد تلقى إشعارا بمنعه من مغادرة التراب الوطني يوم 10 يوليوز 2026 بمطار محمد الخامس الدولي، قبل أن يتابع في حالة اعتقال بتهمة “إهانة مؤسسة دستورية”.

ووقع أكثر من 500 فنان وموسيقي على عريضة نشرتها منصة “ميديابارت” الفرنسية، تطالب بالإفراج عن اليوبي، واحترام حرية التعبير والرأي المكفولة دستوريا، في حين تشهدُ قضية المهدي متابعة واسعة من طرف منظمات حقوقية مغربية ودولية.

يوم الخميس 20 نونبر 2025، تمت متابعة مغني الراب جواد أسرادي الملقب بـ”بوز فلو”، بسبب أزيد من 10 أغان، بتهمتي “إهانة هيئة منظمة”، و”إهانة موظفين عموميين بأقوال وعبارات اعتبرت ماسة بشرفهم وشعورهم والاحترام الواجب لسلطتهم أثناء قيامهم بمهامهم”.

المفارقة أن النيابة العامة اعتبرت أن المتهم يشكل “خطرا” بالنظر إلى تأثير محتواه على ملايين الشباب عبر منصاته الرقمية، ليُطرح السؤال: هل حرية التعبير تتعلق بعدد المتابعين؟

اعتقال بوز فلو لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان الحدث الأكثر إثارة للجدل، نظرا للحجم الجماهيري والرمزية الفنية التي يحظى بها داخل المشهد الموسيقي المغربي، لتتحول نصوصه من مجرد مجازات موسيقية إلى حجج وإثباتات صريحة داخل ملفه الجنائي.

وتم الحكم على بوز فلو بالحبس ثلاثة أشهر موقوفة التنفيذ، مع أداء غرامة مالية قدرها 2000 درهم.

نفس التهمة تكررت مع الفنان الشاب صهيب قبلي المعروف فنيا بـ”Lhassel”.

صهيب توبع بسبب أغان له تتناول قضايا سياسية واجتماعية، على رأسها قضية التطبيع التي تطرق لها في أغنيته “لا للتطبيع”، وانتقاده في أخرى لواقع التعليم والصحة بالمغرب، علاوة على مقاطع أخرى انتقد فيها غياب الديمقراطية والشفافية، خاصة في أغنيته “تخايل معايا”.

وحوكم صهيب قبلي بثمانية أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 1000 درهم، مع تحميله الصائر، وذلك على خلفية تهم تتعلق بإهانة هيئة منظمة وهيئة دستورية.

قمع للإبداع؟

أكد عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن فن “الراب” أضحى أداة تعبير مجتمعي فرضت نفسها بقوة في أوساط الأجيال الصاعدة، باعتبارها آلية حيوية لنقد السياسات العمومية ونقل نبض الشارع، مشدداً على أن هذا الحق كفله الدستور المغربي صراحة في فصليه الخامس والعشرين والسادس والعشرين اللذين يضمنان حرية الفكر والرأي والتعبير بجميع أشكالها، وكذا حرية الإبداع الثقافي والفني.

واعتبر الخضري في تصريح لمرايانا أن معالجة مضامين الأغاني المنتقدة عبر آلية الاعتقال والمتابعة القضائية بموجب القانون الجنائي تظل مثيرة للقلق بشكل مريب، لما تنطوي عليه من تراجع في مؤشرات حرية التعبير، وتكريس لقمع الإبداع والمبدعين، وهو ما يمثل تعارضا صارخا مع التزامات المغرب الدولية، لاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وأضاف المتحدث أن المركز المغربي لحقوق الإنسان لا يقر بوجود حرية مطلقة، ويدين كل ما من شأنه التحريض على العنف أو التشهير أو إهانة الدين الإسلامي والهيئات المنظمة قانونا. إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أنه “إذا كانت هناك متابعات قضائية، فينبغي أن يتم تعليلها تعليلا كافيا حتى لا تؤسس على الصفة الفنية للمتابعين أو بسبب نقد سياسي بناء، بل تُكيّف بناء على أفعال مادية ملموسة تقع تحت طائلة القانون الجنائي، كالسب أو القذف أو التحريض”.

وأوضح الفاعل الحقوقي أن القضاء هو الجهة الدستورية الحصرية والمسؤولة عن موازنة القرائن، وتوفير شروط ومقومات المحاكمة العادلة، والتحقق من مدى تلاؤم العقوبة مع الفعل المرتكب دون شطط.

وواصل رئيس المركز تصريحه بالإشارة إلى أن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في العجز عن رسم الحدود الفاصلة والدقيقة بين النقد الفني والسياسي الجريء —الذي يعد ظاهرة صحية وعلامة حيوية في أي مجتمع يسعى لتجاوز الخلافات بروح ديمقراطية— وبين التجاوز اللفظي أو القانوني الصريح. وبناءً على ذلك، حث السلطات القضائية والأمنية على “تغليب كفة التأويل الواسع لفائدة حرية التعبير، وتبني بدائل العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي والتعبير الفني، ضماناً لاستمرار وازدهار الدينامية الثقافية المغربية”.

واختتم الخضري تصريحه بالإعراب عن أسفه لغياب هذا الإطار المتوازن في المتابعات الأخيرة، والتي تبدو —حسب تعبيره— محكومة بدوافع سياسية مكشوفة؛ وهو ما أدانه بشدة، داعياً إلى حماية واحترام صورة المغرب الحقوقية داخلياً وخارجياً. وأكد أنه “بدل استهداف الفنانين من أصحاب الرأي السياسي المخالف والتضييق عليهم، فإن الأجدر هو إفساح المجال لهم للتعبير عن مواقفهم، بما يحقق دينامية سياسية واجتماعية قادرة على المساهمة بشكل فعال في تطهير الساحة السياسية من الفساد والاستبداد”.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *