أراضي مرزوكة السلالية.. صراع “العرف والقانون” يخرج الساكنة للاحتجاج
بين الوضع العرفي التاريخي الذي يربط قبائل المنطقة بأرضها، والتوجه الإداري الرامي إلى تطهير وضبط الوعاء العقاري، تعيش منطقة مرزوكة على صفيح ساخن بسبب النزاع حول تحفيظ أزيد من 14 ألف هكتار من أراضيها وكثبانها الرملية لفائدة أملاك الدولة.
وصول لجنة تقنية لمباشرة مسطرة التحفيظ، فجر احتجاجات سلمية عارمة للساكنة والفاعلين السياحيين مع بداية يوليوز 2026، وهو ما يسلط الضوء من جديد على معضلة تدبير “الأراضي السلالية” بالمنطقة، ويضع مستقبل الاستثمار السياحي أمام محك حقيقي.
شهدت منطقة مرزوكة التابعة لجماعة الطاوس بإقليم الراشيدية، يوم الأربعاء 2 يونيو 2026، وقفة احتجاجية تنديدا بإجراءات التحديد الإداري وتحفيظ المِلك المعروف بـ”رمال مرزوكة”.
وقفة احتجاجية جاءت تزامنا مع قدوم لجنة تقنية إلى عين المكان من أجل مباشرة عمليات التحديد الإداري والتحفيظ للمنطقة، ما دفع الساكنة، إلى جانب أفراد من قبيلة أيت خباش، للخروج في وقفة احتجاجية تنديدا بهذه الإجراءات التي يرون فيها مسا بحقهم التاريخي وبمصدر رزقهم الوحيد.
وفي الوقت الذي ترى فيه الوكالة الوطنية للمياه والغابات بإقليم الراشيدية أن مسطرة تحفيظ ما يناهز 14 ألف هكتار من الأراضي تابعة لها قانونيا، يشدد المحتجون على أن هذه الكثبان الرملية تمثل إرثا تاريخيا وثقافيا وجماعيا موروثا عبر الأجيال، ويرفضون نقل ملكيتها أو تغيير وضعيتها القانونية خارج التدبير العرفي والجماعي للقبيلة.
من جانب آخر، تشكل هذه الرمال، حسب المحتجين، العمود الفقري للاقتصاد المحلي والنشاط السياحي بالمنطقة. ويتوجس الفاعلون من أن تؤدي مسطرة التحفيظ إلى تقييد استغلالهم لهذه المساحات أو التأثير المباشر على عيش مئات الأسر التي تعتمد على السياحة والمخيمات والأنشطة الرعوية.
جدل التاريخي والقانوني
“رمال مرزوكة مجال للاستغلال السياحي ولم يكن أبدا رعويا ولا غابويا.. لن نقبل بتحديد يمحو حقوق الأجداد، رمال مرزوكة إرث جماعي لا ملك غابوي”.
كانت هذه إحدى الشعارات التي رفعتها نساء المنطقة احتجاجا على مسطرة التحفيظ.
تاريخيا وعرفيا، تعتبر الأراضي والرمال المحيطة بمنطقة مرزوكة أراضي سلالية (أراضي جموع) تابعة للجماعة السلالية لقبيلة آيت خباش، غير أن الوضع القانوني الحالي يشهد تداخلا ومحاولات لتغيير هذه الوضعية.
لسنوات طويلة، تم استغلال هذه المجالات الرعوية والصحراوية بناء على الأعراف القبلية لتقسيم الأراضي والمراعي، ومع التحول السياحي للمنطقة استمر هذا العرف؛ حيث إن أغلب الأراضي والفنادق والمخيمات السياحية المشيدة هناك أقيمت على أراض سلالية أو عبر استغلال مباشر من ذوي الحقوق.
في منظور الدولة (عبر الوكالة الوطنية للمياه والغابات)، تدخل هذه المساحات الشاسعة في إطار الأراضي الموات التي لا يملك أحد حجية رسمية (رسم ملكية) عليها، وبالتالي تسعى لتحفظيها لتسهيل الاستثمارات وتنظيم المجال السياحي والعمراني.
القبيلة ترفض التحفيظ
يرى مبارك أسيدي، أحد أبناء المنطقة، أن الخروج الجماعي والاحتجاج العارم للقبيلة يأتي كرد فعل مباشر على محاولات مديرية المياه والغابات تحفيظ أراضي منطقة “عرق الشبي” بمرزوكة.
هذا الملف، وفق تصريح مبارك أسيدي لمرايانا، ليس جديدا، فقد خاضت القبيلة مسارا من المعارضة في السنوات السابقة ضد هذا الإجراء، وكانت آخر محطة حاسمة في 8 يوليوز 2022، حيث نجح أبناء المنطقة في تأجيل عملية التحفيظ بفضل التعبئة القوية للقبيلة، ليتم تمديد الأجل إلى غاية 1 يوليوز 2026.
الوقفة الاحتجاجية، حسب المتحدث، هي خطوة فعلية ضد تحفيظ هذه الرمال، وهذه هي المرة الثالثة التي تعبر فيها الساكنة عن معارضتها الصريحة. وقانونيا، عندما تتكرر المعارضة لثلاث مرات، فإنه يتعين على مصالح المياه والغابات التراجع بصفة نهائية، فالساكنة سترفض هذا الترامي على الملك جملة وتفصيلا.
حول الوضع التاريخي لهذه الأرض، يقول مبارك: “تستند مصالح المياه والغابات في ادعاءاتها إلى ظهير قديم يعود لسنة 1917، والذي يعتبر الرمال والمياه تابعة للدولة. لكن على أرض الواقع، لم يكن للمياه والغابات أي وجود أو وصاية في منطقتنا عبر التاريخ”.
يضيف مبارك: “الساكنة والقبيلة هما من يستغلان هذه الرمال الذهبية لمرزوكة منذ أجيال، ولم تظهر هذه الأطماع إلا في السنوات الخمس الأخيرة مع بروز الاستثمار في المنطقة، حيث بدأت المحاولات للاستحواذ على أراضينا وعقاراتنا”.
يتابع المتحدث:” القبيلة كانت دائما هنا، والأرض أرضها، والناس مستقرون ويعيشون فيها. لا يمكن للمياه والغابات أن تأتي بين عشية وضحاها لتفرض واقعا جديدا يرفضه الصغير والكبير”.
في ما يخص ما يروج حول فتح باب الحوار، يتساءل المتدخل: كيف سيدار الحوار؟ وما هو المسار الذي سيتخذه؟ ومع من سيتم التشاور؟ نحن لسنا ضد القانون، بل نطالب بأن يمر أي حوار عبر مقاربة تشاركية جادة تنخرط فيها الساكنة وممثلوها الشرعيون للوصول إلى حل عادل يرضي الجميع.
وكشف المتحدث أن قائد منطقة الريصاني عاين معارضة الساكنة، وأكد بدوره أن هذا التحفيظ سيرفض نظرا لوجود تعرض حقيقي، والمحافظ لا يمكنه إتمام الإجراءات في ظل هذه المعارضة.
أما في حالة استمرت الوكالة الوطنية للمياه والغابات في مسار التحفيظ، يؤكد مبارك أسيدي أن أبناء المنطقة مستعدون للخروج مجددا للاحتجاج، والتعبئة تظل مستمرة.



