حقوق ضائعة وأجساد مستنزفة… العبودية الحديثة في قطاع الكابلاج 2/2 - Marayana
×
×

حقوق ضائعة وأجساد مستنزفة… العبودية الحديثة في قطاع الكابلاج 2/2

يدخلونها بنصف أمل وهربا من شبح البطالة، ليخرجوا منها بأجساد منهكة ونفسيات متأزمة.
هكذا يمكن تلخيص الحكاية داخل “جحيم الكابلاج”، فخلف الواجهات البراقة للشركات، يقايض العمال والعاملات صحتهم النفسية والجسدية بأجور لا تكاد تسد الرمق.
وقوف مستمر، منع الراحة البيولوجية، ضغط المسؤولين والرؤساء، وحالات تحرش وابتزاز… هي قصة جيل يبيع شبابه بالتقسيط في غياب تام لشروط حقيقة تحفظ كرامة اليد العاملة.

بعدما كشفنا في الجزء الأول من الملف عن الهوة بين أرقام المعاملات الفلكية في قطاع صناعة السيارات، وبين واقع الإنهاك والنزيف البشري المستمر داخل مصانع الكابلاج بالمغرب، وبعد أن قدمنا مقارنة مع المنظومة الفرنسية في القطاع، من الناحية الحقوقية والتشريعية… نتابع في هذا الجزء الثاني، حكاية قطاع “الكابلاج” بالمغرب، ونرصد حكايات من داخل هذه المصانع، ونكشف عن الثغرات التي تعتري القطاع بالمغرب.

خلف الأبواب المغلقة

قبل أن نغوص في الحكايات، لا بد من الإشارة إلى معطى أولي… نسبة البطالة بالمغرب بين فئة الشباب تبلغ 16.1% للفئة العمرية بين 25 و34 سنة، حسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، وهو رقم مقلق…

لكن، لماذا يُفضل كثيرون حالة البطالة هاته على العمل داخل مصانع “الكابلاج” التي أصبحت تعرف “هروبا جماعيا”؟

رضا موغربي، صانع محتوى مغربي، يحكي قصته داخل مصانع “الكابلاج” التي اشتغل فيها لمدة 9 سنوات.

يقول رضا: “تسعُ سنوات وأنا أشتغل في قطاع “الكابلاج”، الشيء الوحيد الذي خرجتُ به من هذه التجربة هو مرض “السياتيك” (تهيج أو ضغط في العصب الوركي)… هي مهنة لا يمكن من خلالها تكوين أسرة أو بناء مستقبل أو الإحساس ولو نسبة 10% من السعادة داخل هذا القطاع”.

يضيف رضا: “الأجرة محدودة، المعاملة سيئة، الحالة النفسية سيئة، الإصابات العضلية، 8 ساعات من الاشتغال، وساعتين في التنقل، ليس لك الحق في الذهاب إلى المرافق الصحية حتى ولو كنت مريضا، يسمحون لك بالذهاب مرة واحدة خلال 8 ساعات، إذا كانت الآلات مشتغلة فلا يمكنك الذهاب إلى المرافق الصحية إلا في حالة وجدت من يعوضك، يُسمح لك بالتوقف 20 دقيقة من أجل تناول وجبة الغذاء، 6 دقائق تلزمك فقط للوصول إلى مكان التغذية والعودة، علاوة على حالة الانتظار، يتبقى لك من رصيدك 11 دقيقة من أجل تناول وجبة الغذاء !!”.

المُروع في حكاية رضا، أن المسؤولين هناك يفرضون نظاما أكثر من صارم، تُمنعُ الابتسامة أو الحديث، إذا تأخرت ساعة مثلا تُخصم من أجرتك 400 درهم كاملة !

وجهٌ آخر من أوجه “العبودية الحديثة” داخل قطاع الكابلاج، يحكيه لمرايانا إسماعيل.

إسماعيل البالغ من العمر 30 سنة، والمجاز في سلك التاريخ، اختار التوجه نحو مدينة طنجة هروبا من شبح البطالة الذي ظل يُطارده لسنوات، وتحت ضغط عائلي رهيب.

يحكي إسماعيل لمرايانا: “اخترت التوجه نحو قطاع “الكابلاج” على أن أظل عاطلا في القرية التي أقطن بها. سمعت عما يحدث داخل المصانع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لم آخذ الأمر على محمل الجد. في هذه الظرفية، يكون العمل وتوفير لقمة العيش، أهم من كل شيء… لكن ما شاهدته، وما عشته هناك غير نظرتي لكل شيء، البطالة أفضل من عمل كذاك”.

يتابع إسماعيل:” الاستقرار في مدينة مثل طنجة يتطلب دخلا مرتفعا، سومة الكراء غالية، المواد الأساسية أصبحت مرتفعة… أجرة 3000 درهم لن تكفي حتى لـ15 يوما، فما بالك بشهر كامل. كنت أحاول جاهدا أن أوفر بضعا من النقود، بل واستغنيت عن أشياء أساسية فقط من أجل التوفير، دون جدوى، دائما ما كنت أجدني مضطرا في النهاية لأقترض ما يمكن أن أسد به العجز. كانت هذه النقطة هي التي جعلتني أنسحب من العمل، لأن وضعي المعيشي لم يتغير… بل أصبح أكثر جحيما”.

هذا في ما يخص الأجرة، يضيف إسماعيل… داخل المصانع، عالم آخر من “الحكرة” والتهميش والضغط النفسي والجسدي.

يتساءل إسماعيل: “كيف يمكن للجسد أن يتحمل الوقوف لمدة ثماني ساعات متواصلة؟ كيف يمكن تحمل الوقوف لتلك المدة دون أن تقضي حاجاتك البيولوجية؟ وحتى إن أردت قضاءها فلن تكفي تلك المهلة التي يوفرونها لك تحت الضغط”.

العمل في الكابلاج، حسب إسماعيل يشبه الطاحونة، إذا توقفت لثانية تقفُ الحركة، لذلك، في منظور المشغلين، يجب أن تمنحها جهدك وصحتك دون توقف، حتى تحصل في الأخير على الفتات.

حكاية النساء داخل هذا الجحيم مرعبة، رغم أن هذا القطاع هو أكبر مشغل لليد العاملة النسوية في القطاع الصناعي، وقد يعتبره البعض فرصة من فرصة التمكين الاقتصادي للنساء، لكن الواقع يحمل وجها آخر.

داخل معامل الإنتاج، تتحول أجساد الآلاف من العاملات إلى مجرد “تروس” في ماكينة إنتاج لا ترحم، حيث يدفعن من صحتهن ونفسيتهن الثمن الأغلى.

إلى جانب الظرفية الصعبة التي تعشيها النساء، والمماثلة لما لما يعيشه الرجال، ينضاف إلى اللائحة التحرش والابتزاز، وفق حكايات مجموعة من العاملات هناك، وظروف نفسية تمارس على كل من حاولت المطالبة بحقها، حيث تُشهر ورقة “الفصل والطرد” في وجههن.

هروب… ضد مناخ “الاستعباد”

يرى عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، أن قطاع صناعة ضفائر السيارات أو ما يسمى بـ”الكابلاج” في المغرب، الذي لا تتوقف الخطابات الحكومية الرسمية عن تقديمه والتباهي به وبأرقامه، بوصفه القطاع الإنتاجي الأول في البلاد والمحرك الأساسي للتشغيل وجلب الاستثمارات الخارجية، بات اليوم يخفي خلف أرقامه الاستثمارية البراقة واقعا مريرا يتجرعه مئات الآلاف من الشباب الشغيلة يوميا.

يضيف المتحدث في تصريح له لمرايانا: “واقع انحدرت فيه شروط الشغل لتشكل مظهرا صارخا وكارثيا من مظاهر العبودية الحديثة؛ حيث تتجلى المفارقة الصارخة والصادمة في كون هذه الشركات المتعددة الجنسيات كانت تمنح الأجراء في بلدانها الأصلية بأروبا، كفرنسا مثلا، أجورا تصل إلى خمسة أضعاف ما تمنحه اليوم للشغيلة المغربية عن نفس العمل وبساعات أقل بكثير”.

هذه الوضعية، حسب رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، تترجمها ظروف اشتغال لا إنسانية داخل قلاع هذه المعامل بالمناطق الحرة في طنجة والقنيطرة، حيث تتحقق أركان العبودية الحديثة من خلال سلب العمال إنسانيتهم والتحكم المطلق في احتياجاتهم البيولوجية والطبيعية… وإجبارهم على الاستقالة بمجرد تفكيرهم في تأسيس مكاتب نقابية تدافع عن كرامتهم.

لذلك، يتابع عبد الإله الخضري، جاءت هذه “الانتفاضة الصامتة” والهروب الجماعي كنتيجة طبيعية ومشروعة ضد مناخ الاستعباد، مما يستدعي ضرورة تدخل الحكومة الفوري للخروج العاجل من هذا المأزق.

الحل، وفق المتحدث، يكمن في ثلاثة حلول جذرية عاجلة؛ أولها الرفع الفوري للأجور لتصل إلى 5000 درهم فما فوق، مع الزيادة في الأجرة حسب الأقدمية، كقاعدة أساسية تضمن الحد الأدنى من كرامة العيش وتعوض الشغيلة عن جزء من الفوارق الدولية الكارثية.

الحل الثاني: التقليل من مدة العمل اليومية، بحيث لا تتجاوز 8 ساعات حد أقصى، وحظر الساعات الإضافية الإجبارية حماية للصحة الجسدية والنفسية للعمال. وثالثهما، تجريم طرد النقابيين وتفعيل لجان التفتيش التابعة لوزارة الشغل لتكون لجانا حقيقية وتقوم بزيارات مراقبة مفاجئة تقف على أرضية المصانع وتنهي سياسة المحاباة والصمت.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *