“الكابلاج” بالمغرب: أرقام تصدير تصنع المليارات وصحة شغيلة تهدر بالدقائق 2/1 - Marayana
×
×

“الكابلاج” بالمغرب: أرقام تصدير تصنع المليارات وصحة شغيلة تهدر بالدقائق 2/1

في الوقت الذي تتصدر فيه صناعة السيارات واجهة المنجزات الاقتصادية للمملكة، حيث تُضخ المليارات في خزينة الدولة والشركات، يظل قطاع “الكابلاج”، والذي يمثل النواة الصلبة لهذا القطاع، الوجه الأكثر بشاعة في هذه المنظومة.
خلف الأبواب المغلقة للمصانع، لا تقاس قيمة العمل بالكفاءة، بل بالقدرة على الصمود والتكيف مع منظومة ضاغطة تشكل ضغطا جسديا ونفسيا قاسيا، يحول دُريهمات شهرية إلى جحيم يومي يعيشه آلاف العمال والعاملات.

توفق المغرب، بشكل كبير، في كتابة قصة نجاح اقتصادي مبهرة، مكنته من التربع على عرش صناعة السيارات في القارة الإفريقية، وتحويل منظومتها إلى آلية لجلب الاستثمارات الأجنبية وضخ العملة الصعبة ومنافسة شركات صناعة كبرى عالميا.

لكن، خلف هذه الأرقام اللامعة، تختبئ حقيقة اجتماعية مُرعبة، تئنُ تحت وطأتها آلاف الأيادي العاملة، خاصة في قطاع “الكابلاج”، فداخل الوحدات الصناعية المتخصصة في إنتاج الأسلاك والتجهيزات الكهربائية الموجهة لصناعة السيارات، تصطدم الإنتاجية الاقتصادية بالواقع المرير لشغيلة تجد نفسها محاصرة بين أهداف الإنتاج وظروف عمل شاقة.

ظروف عمل، تمتد لساعات طوال من الوقوف المستمر والضغوط النفسية والجسدية الخانقة، في بيئة يرى فيها فاعلون حقوقيون ونقابيون ملامح “عبودية حديثة“.

فبينما تستغل الحكومة كل فرصة للافتخار بالمنجزات غير المسبوقة لهذا القطاع، متباهية بأرقام صادرات تقدم بالمليارات في صالونات الرباط الفاخرة، ينفصل هذا الخطاب نهائيا داخل معامل التصنيع لشغيلة تجد نفسها أمام واقع تدني لأجور لا تتعدى الحد الأدنى للأجور… وأمام هذه المليارات (58.282 مليار درهم عند متم أبريل 2026)، يدفعُ آلاف الشباب والشابات صحتهم الجسدية والنفسية ضريبة لذلك.

هذا التباين الصارخ، يضعُ “بروباغاندا” الأرقام الحكومية في مواجهة مباشرة مع صرخات صامتة داخل ردهات المصانع، تتحول معها الأرقام إلى سياط نفسية وجسدية تلاحق العمال والعاملات.

هروب جماعي…

في الآونة الأخيرة، شهدت الشركات المتخصصة في صناعة الأسلاك الكهربائية للسيارات (الكابلاج) بطنجة تحديدا، ما سُمي بـ”الهروب الجماعي“، بعدما سجلت هذه الوحدات موجة مغادرات من طرف العمال والعاملات.

أمام هذا النزيف الحاد في اليد العاملة، تحولت عمليات التوظيف إلى سباق يومي من أجل تغطية الخصاص الهائل داخل وحدات الإنتاج، بل وأصبحت بعض الشركات تنزل إلى الشوارع والأحياء الشعبية… من أجل استقطاب اليد العاملة في محاولة منها لإقناع الشباب والشبات بالالتحاق بمصانعها.

وحدات التصنيع هذه حاولت عرضَ امتيازات للعمال والعاملات، حيث تعرض أجورا شهرية تتراوح بين 3000 إلى 4000 درهم، وكأن أزمة الهروب هاته مرتبطة أساسا بالأجر، ضاربة عرض الحائط الظروف المهنية والاجتماعية القاسية التي تشكل الأسباب الحقيقية وراء هذا الهروب.

محاولة اختصار أزمة “هروب اليد العاملة” في الفارق المالي، هو قفز على حقيقة أن هذا الجيل لم يعد يقبل بـ”العبودية الحديثة”، بل يبحث عن بيئة عمل تحترم إنسانيته، وتضمن سلامته الصحية، وتوفر له أفقا حقيقيا للتطور المهني.

مفارقة “الكابلاج”… بين المغرب وفرنسا

حتى تظهر الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا العزوف أو الهروب الجماعي من قطاع “الكابلاج” بالمغرب، نعقد مقارنة بين ظروف العمل والاشتغال في هذه الوحدات الصناعية بين المغرب وفرنسا… بين منظومة فرنسية محكومة بصرامة القوانين النقابية، وساعات العمل المحددة، وحقوق “الرفاهية المهنية”، وبين منظومة مغربية تحولت فيها سرعة الإنتاجية إلى “سوط” يلاحق آلاف العاملات والعمال.

حين نتحدث عن قطاع “الكابلاج” في فرنسا مثلا، فإننا نتحدث عن بيئة صناعة محكومة بإرث نقابي وقانوني صارم، حيث لا تقتصر ظروف الاشتغال على ساعات العمل فحسب، بل تمتد لتفاصيل دقيقة تحمي صحة العامل وحقوقه الاقتصادية.

على الموقع الخاص بالوكالة الوطنية للتشغيل في فرنسا (France travail)، تضعُ الوكالة وثيقة مرجعة متعلقة بالاشتغال في قطاع “الكابلاج” (Fiche Métier: Monteur câbleur) تحت الكود ROME : H2606.

توضح هذه البطاقة أن 80% من الأجور المعروضة لهذه المهنة في فرنسا تتراوح قانونيا بين 1802 يورو و2244 يورو (خام)؛ أي بين 19,271,13 درهم و21,998,01 درهم.

في ما يخص ظروف العمل، يفرض المعهد الوطني للأبحاث والسلامة بفرنسا (INRS)، بالتعاون مع طب الشغل ومفتشية الشغل، ترسانة من الضوابط الهندسية والقانونية على الشركات لضمان عدم تحول العمل إلى مصدر للاستنزاف الجسدي والنفسي.

ضوابط لا تترك مجالا للمزاجية، بل تخضع لمعايير علمية دقيقة أو ما يمكن تسميته بـ”الهندسة الإنسانية لبيئة العمل”.

ظروف يعتبر فيها الوقوف لـ8 ساعات متواصلة خرقا لسلامة العامل، وبذلك تُلزم الشركات بتوفير مقاعد هجينة تتيح للعامل إسناد جسده وتخفيف الضغط على أسفل الظهر والركبتين والدوالي أثناء العمل.

ما يمنحُ هذه الضوابط قوة قانونية هو آلية المراقبة الصارمة داخل هذه المصانع، فطبيب الشغل مثلا، يتمتع بسلطة قانونية مطلقة لدخول المصانع وإغلاق أي محطة يراها مهددة لصحة العمال، أو إجبار الشركة على إعادة تصميمها. علاوة على وجود لجنة داخلية تضم ممثلين عن العمال والنقابات، تملك صلاحية استدعاء مفتشية الشغل فورا إذا تبين أن الشركة تضغط على العمال لزيادة الإنتاج على حساب سلامتهم الجسدية والنفسية.

الحكاية في قطاع الكابلاج بالمغرب مختلفة…

في قطاع الكابلاج بالمغرب، يكمن الخطر في الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني، أو في استغلال الشركات لبعض “الثغرات” القانونية.

قانون الشغل المغربي (القانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل) يحدد هو الآخر ضوابط صارمة في ما يتعلق بظروف العمل.

المادة 184، مثلا، تحدد مدة الشغل العادية في القطاعات غير الفلاحية في 44 ساعة في الأسبوع، وتتوزع على 8 ساعات يوميا. كما تمنع المادة 205 منعا كليا تشغيل الأجراء أكثر من 6 أيام متتالية، إذ يجب أن يستفيد كل عامل من راحة أسبوعية لا تقل عن 24 ساعة متواصلة.

في حين تفرض المادة 281 على المشغل، ضرورة السهر على توفير نظافة أماكن الشغل، والحرص على وجود شروط الوقاية الصحية، ومتطلبات السلامة اللازمة للحفاظة على صحة الأجراء… كما تنص المادة 304 من مدونة الشغل على التزام كل مقاولة تشغل أكثر من 50 أجيرا بإحداث مصلحة طبية مستقلة للشغل، يقوم خلالها طبيب الشغل بمراقبة الحالة الصحية للعمال وتأثير بيئة العمل عليهم.

هذا ما يقوله القانون.. لكن ماذا يقول واقع العمل داخل هذه الوحدات الصناعة؟

هذا ما سنعرفه خلال الجزء الثاني من هذا الملف.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *