العرف والدين والقانون: كيف تفاعلت الأعراف القبلية والأمازيغية مع القانون ومع الدين؟ - Marayana
×
×

العرف والدين والقانون: كيف تفاعلت الأعراف القبلية والأمازيغية مع القانون ومع الدين؟

في المجتمع، نصادف العرف، الشرع، القانون. أحيانا يؤخذ كل طرف مساراً خاصاً به. وأحيانا أخرى يتقاطعون في مُلتقى الطرق، لتحدث تفاعلات كانت على امتداد محطات للتجاوز والقطيعة وأحيانا الالتقاء.
فكيف يحدث ذلك؟

العرف، الدين، القانون… ثالوث التفاعلات الرمزية في المجتمع.

يتأثر الدين بالعرف ويؤثران في القانون، وأحيانا، يكون العرف أكثر تجدراً، بالنظر لقدمه وارتباطه أكثر بقواعد صيغت بشكل توافقي، عكس الشريعة والقانون.

بين القطيعة والتجاوز والاستيعاب، يتفاعل الثالوث مع المجتمع، وهو ما يدفع لطرح السؤال: من المتحكم في المجتمع؟ وإلى أي حد يؤثر العرف في سلوك المجتمع قديما، واليوم أيضا؟

تأثيرات مُتبادلة

محسن الودواري، طالب باحث بسلك الدكتوراه، يعتبر في حديث لمرايانا أن ثالوث القانون، العرف، والدين، هو متحكم في كل المجتمعات، حسب الدرجات.

يتجه الباحث إلى أن التحكم يصل امتداده إلى المجال الذي يؤثر فيه، وأحيانا قد نجد أحد أضلع هذا الثالوث مستمدا من آخر. مثلا، القانون مستمد من الدين أو العرف. هذه الأمور نسبية وترتبط بسياقات وتفاعلات مجالية.

هناك إذن، حسب الودواري، علاقة تشبيك بين الأطراف، وعلاقة تأثير وتأثر متبادلة، تتغير مواقعها أحيانا حسبَ الحاجة وحسبَ تموقُعها في المجتمع.

يقول الودواري: المُهيمن في تفاعلات المجتمع القانونية/ التنظيمية، هو الدين من حيث المرجعية المُستند إليها، فالدين له حضور وازن مجتمعيا، ويجدُ مسوغاته من الناحية القانونية، رغم أن التنصيص لا يكون ذا بعد ديني، بل ببعد قانوني.

إذا ما أخذنا على سبيل المثال، وحسب الباحث، القضايا المتعلقة بالإفطار في رمضان أو العلاقات الرضائية… فإن من بين أهم المراجع التي يستند إليها، هو المرجعية الدينية.

يسترسل الباحث في مقاربة رأيه في ثالوث الدين والعرف والقانون، مشدداً على أن العرف يحضُر في تفاعلات المجتمع التنظيمية، خصوصا على المستوى المحلي في المداشر والقرى.

يقول المتحدث: “لنأخذ مثلا، تنظيم استغلال المياه والسقي للفلاحة والزراعة. هذه العملية تستند إلى أعراف متوافق عليها منذ سنوات، بعيدا عن النص القانوني، لأنه قد يكون أحيانا معرقلا للسير التنظيمي للشؤون الاجتماعية”.

عرف فوقَ القانون

ينقلنا محسن الودواري إلى عملية تبدو مُعقَّدة وهي العُرف في المجتمع الأمازيغي، الذي يحتاج منا الكثير من التأمل لفهم أبعاده.

في هذا الاتجاه، مرايانا تسائل الباحث في الثقافة الأمازيغية، يحيى شوطا، الذي ينطلق من مُقاربة مفادها أن المجتمع المغربي، والأمازيغي بشكل خاص، قد طور ثقافته المحلية وعززها بتقاليد وأعراف كانت بمثابة مرجعيات يتم الاحتكام إليها.

يقول شوطا: “استطاعت الأعراف الأمازيغية أن تضع ضوابط ضمنت الحقوق الجماعية والفردية، كما أسهمت في استتباب الأمن وحفظ الملكية الفردية والجماعية على السواء في كل تمظهراتها الجغرافية والاقتصادية”.

حسب أحمد أرحموش في كتابه “العرف والقانون كرافد من روافد الثقافة الأمازيغية”، فالعرف هو قاعدة قانونية لها إلزامية، خاصة بعد تداولها كمادة اتفاق بين مجموعة من الناس. وهو حسب روبير أسبينيون، صاحب كتاب ” أعراف قبائل زايان”، “القانون الذي يؤطر المجتمع بناء على قواعد عرفية تحدد سلوك هذا المجتمع”.

يشير شوطا إلى أنَّ الأعراف قامت على تجسير العلاقة بين القبائل، وكانت أحياناً حائلا دون قيام النزاعات والتصادمات، كما أسهمت في حفظ السلم الاجتماعي، فحتى طريقة وضع الأعراف تعكس رغبة في إشراك جميع فئات المجتمع.

يورد الباحث أن العرف أو “أَزْرْفْ”، يُدوَّن بحضور الجماعة وتحت إشراف النخبة التي تسمى “ئينفلاس”. وكما أشار الفقيه العثماني في كتابه “ألواح جزولة والتشريع الإسلامي: دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي”، فالعرف كان مقدسا عند المجتمع أكثر من القانون العصري.

حسبَ الباحث، فإن المطلع على النظام القضائي العرفي بسوس مثلاً، سيقف على نظام قضائي قار، استطاع إدماج الشريعة الإسلامية بفهم تنفرد به المنطقة. وأبرز مثال هنا ما يسمى بـ “الكد والسعاية”، وهو عُرفٌ يحفظ حقَّ الزوجة في الأموال المكتسبة بعد الزواج.

الواضح من حديث يحيى شوطا، أن هذا العرف يُبرز تقدم هاته الأعراف، إلى جانب أعراف أخرى كـ “الزواگ” والتي أصلها من المصدر الأمازيغي “أزواگ”، وتعني طلب الرجل الحماية من الآخر أو الدخول في كنفه استعطافا له وطلبا لعفوه. ومن هنا، بالمناسبة، نجد في الدارجة المغربية عبارة “أَنَا مْزَاوْكْ فيك” بمعنى أنا لائذ بك.

يخلص الباحث في هذا الصدد إلى أن الأعراف الأمازيغية، يجب أن تكون حاضرة ضمن مرجعيات التشريع وفلسفته، فالعرف الأمازيغي أبدع نظاما متفردا يستحق أن يُحافظ عليه.

ماهي حدود التميز في العرف؟

هذا السؤال يجيبنا عنه الباحث الحسين أساكن في كتاب “العلاقة بين أزرف والشرع خلال العصر الوسيط”، حيث يشدد على أنَّ ما يميز روح وفلسفة أزرف الأمازيغي، والنظم الاجتماعية التي أفرزته، هي قيم الحرية واحترام كرامة الإنسان.

حَجٌ عُرفي

عبد الرحيم أودمجان، الباحث في الدراسات الدينية، يُقاربُ مع مرايانا إشكالية ثالوث العُرف والمجتمع والدين، مستحضراً نموذج الحج الذي يُعتبر واحداً من أبرز الأمثلة التي تجسد هذا التفاعل.

حسبَ الباحث، في الضمير الديني الجمعي، يُعتبر الحجُّ ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وهو واجب على كل مسلم بالغ وقادر مرة واحدة في العمر، ويتم إقامته في الشهر الثاني عشر من التقويم الهجري.

يقول اودمجان: “تتضمَّن التفاعلات الرمزية في الحج العديد من الجوانب المُرتبطة بالمجتمع والعرف والدين. فمن الجانب المجتمعي، يُعد الحج حدثًا اجتماعيًا يجمع المسلمين من مختلف أنحاء العالم، حيث يتم تبادل الخبرات والتجارب بين الحجاج من جنسيات وثقافات مختلفة، ويتم تعزيز الروابط الاجتماعية والتعاون بينهم. يشعر الحجاج بالانتماء لما يسمى “الأمة الإسلامية والاندماج في هذا التجمع”.

من ناحية العرف، حسب المتحدث، يقوم الحاج بأداء طقوس وشعائر تعكس التراث والتقاليد الإسلامية، كما تظهر نوعاً من التوقير لأصحابه. وهو بهذا، عند الكثيرين، يحظى بنوع من التقدير ويصبح عرفيا حاصلاً على شاهدة “حاج”.

بهذه الطرق، وحسب اودمجان، يتفاعل المجتمع والعُرف والدين في مستويات دينية تتجاوز الشعائر والممارسات العقائدية، إلى ممارسات تُعزز الانتماء الاجتماعي للقبيلة أو الجماعة وتفيد أن هناك تفاعلاً بين الطرفين.

شرع “مُتُأُمْزِغْ”

هذا الحديث يقود الباحث إلى المُجتمع الأمازيغي، حيث يتَّفق مع يحيى شوطا في طرحه، مضيفاً أنه بإمكاننا القول إنَّنا أمام “تَمْزيغِ” بعض القضايا الاجتماعية من لباس ديني إلى لباس عرفي.

يضيف الباحث أن قضية القاتل في العرف، تختلف عن الشرع والقانون، فالشرع يقول بالقصاص، بينما للقانون رأي آخر. في المقابل، نجد في العرف قديما، أن بعض القبائل الأمازيغية تتجاوز القصاص إلى حلول أخرى، كالنفي خارج القبيلة.

سندنا هنا في هذا الحديث، هو الآية التي تقول “إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم”.

في آخر الآية ورد النفي، والعرف الأمازيغي هنا يعمل بالنفي أكثر من لجوئه إلى باقي الأحكام، وهو بهذا قد لا يُناقض الشريعة، وإنما يحاول أن يجد الحكم الذي لا يسبب ضرراً ولا يقود للقتل.

النفي في العرف لا يتنافى مع الشرع، بل هو تعبير عن التسامح وإعطاء فرصة جديدة للفاعل عوض الحكم عليه بالقتل. والأمثلة كثيرة، كالاجتهاد في القصاص والسرقة، حيث يرفض العرف قطع يد السارق ويجد حلولاً لذلك لا تختلف مع الشريعة.

هكذا كانَ التفاعل بين ثالوث العرف والدين والقانون. أحيانا يتجاوز العرف الشريعة وأحيانا تكون بعض أحكام الشريعة عُرفية، وفي آحيان أخرى يكون التشبيك بينهما في معزل عن القانون.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *