هذه حكاية تاريخ كرة القدم… من الهمجية الأولى إلى اللعبة الأكثر شعبية في العالم - Marayana
×
×

هذه حكاية تاريخ كرة القدم… من الهمجية الأولى إلى اللعبة الأكثر شعبية في العالم

لم تبدأ كرة القدم كلعبة تحكمها الخطوط البيضاء والصافرات، بل ولدت كنزعة بشرية ورمزية للركض ومطاردة الأجسام المستديرة.
منذ آلاف السنين، ركلت الشعوب القديمة كرات مصنوعة من جلود الحيوانات أو الألياف النباتية، غير أن هذه الفوضى ستدخل لحالة النظام فوق العشب البريطاني. هناك، خضعت “الساحرة المستديرة” للتهذيب ووضع قوانينها الأولى.
تحولت منذ تلك اللحظة كرة القدم من مجرد تسلية عشوائية إلى رياضة متقنة ذات روح وجاذبية، وتحولت من مجرد هواية إلى صناعة عالمية تدار بمليارات الدولارات.

شهدت كرة القدم، عبر تاريخها، تحولا جذريا نقلها من مجرد “لعبة شعبية” إلى صناعة استثمارية ضخمة تحكمها التكنولوجيا والبيانات الرقمية، ولعبة اقتصادية بمليارات الدولارات.

تلك الساحرة المستديرة التي أصبحت اليوم تُبكي شُعوبا وتُفرحُ أخرى، بل وكانت رمزا للتعبير عن التحرر والاعتزاز الوطني، لم تبدأ بشكلها الحالي، بل ضربت جذورها في أعماق التاريخ، واحتفظت في كل مراحل تطورها على مكانتها في قلوب وحياة الناس.

في أصول كرة القدم

لم تكن كرة القدم، كما نعرفُها اليوم، مُجرد لعبة تسلية وترفيه، بل كانت طقسا ثقافيا محاطا بالرموز والمُعتقدات؛ فحسب موقع “Football history”، ظهرت أولى الأمثلة المعروفة للعبة جماعية تعتمدُ على كرة (كانت مصنوعة من صخرة) في ثقافات أمريكا الوسطى منذ ألف سنة قبل الميلاد، وكانت تُعرف من قبل شعوب الأزتيك باسم Tchatali. وكانت في بعض المناسبات الطقسية ترمز إلى الشمس، وكان قائد الفريق الخاسر يُقدم كقربان للآلهة.

ووفق نفس الموقع دائما، فأول لعبة كرة قدم معروفة تضمنت الركل، ظهرت في الصين خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد تحت اسم “تسوجو”، وكانت تُعلب بكرة مستديرة من الجلد المخيط والمحشو بالفرو أو الريش من الداخل، على ساحة مربعة الشكل. واعترف بها الاتحاد الدولي لكرة القدم “Fifa” على أنها الشكل الأول لكرة القدم.

على أن أشكال اللعب هذه، لم ترتبط بالتسلية أو الترفيه، بل كانت تدخُل ضمن خانة التدريبات العسكرية الصارمة من أجل ضبط النفس وتحقيق التوازن الروحي.

هذا الشكل البدائي من كرة القدم، أو أكثر تدقيقا ركل الكرة، عُرف كذلك لدى شعوب أخرى؛ مثل المصريين القدامى، الذين كانوا يتسلون بتبادل ركل الكرة، علاوة على الإغريق، حيث عُثر على رخام إغريقي عاش قبل الميلاد بمئات السنين يُظهره يلاعب كرة بركبتيه…

البريطانيون.. مهد كرة القدم الحديثة

هذا الشغف العابر للقارات بكرة القدم، لم يكن ليولد لولا عبقرية التنظيم الإنجليزي. فحين نبحث في الجذور، نجد أن بريطانيا هي المهد الأول لكرة القدم الحديثة والقلب النابض الذي أخرج هاته الرياضة من عتمة العشوائية إلى روح التنظيم.

خلال القرن الثاني عشر، كانت تُلعب ألعاب تُشبه كرة القدم على المروج والطرقات الإنجليزية، ولم يكن الأمر مقتصرا حينها على ركل الكرة بالقدمين، بل شمل أيضا ضربها بقبضة اليد، كما شهدت حينها عنفا ووحشية، حيث كان مسموحا بتوجيه الركلات للخصم، ولم يكن محددا حينها عدد دقائق اللعب أو حتى عدد اللاعبين.

عُنف اللعبة، دفع ملوك بريطانيا إلى تجريم هذه اللعبة، وضمها إلى خانة اللعبة الرعاعية والصاخبة، حيث كانت تخلف الكثرة من الضحايا والجرحى، بل إن الملكة البريطانية، إليزابيث الأولى، هددت بسجن كل من يمارس اللعبة أسبوعا كاملا.

غير أن الحكاية ستتغير خلال القرن 19م.

بدأت المحاولات الأولى لوضع قوانين خاصة بكرة القدم سنة 1848 خلال اجتماع عُقد في جامعة كامبردج، إلا أنه لم يُتوصل إلى حل نهائي لجميع المسائل المتعلقة بالقوانين. قبل أن يتم، سنة 1863، وبالضبط في لندن، تأسيس أول اتحاد لكرة القدم في إنجلترا. خلالها، وفي اجتماع عُرف بـ”اتفاق جنتلمان”، بين اثني عشر ناديا في إحدى حانات لندن لتوحيد القواعد، تقرر عدم السماح بحمل الكرة باليدين، كما أسفر الاجتماع عن توحيد حجم الكرة ووزنها، ومُنع كذلك توجيه الركلات إلى الخصم.

من جانب آخر، لم يحدد اتفاق لندن عدد اللاعبين لكل فرق ولا أبعاد المرمى أو ارتفاعه ولا مدة المباراة، كما أن المباريات كانت تتجاوز أحيانا الثلاث ساعات، ولم تكن حينها الملابس الموحدة تُستخدم لتمييز الفرق، علاوة على أن الضربات الرئيسية لم تدخل قوانين اللعبة حينها.

يعد نادي شيفيلد يونايتد الإنجليزي أولَ نادٍ كروي في التاريخ، إذ تأسس في 24 أكتوبر 1857، قبل أن يصل عددُ الأندية الإنجليزية سنة 1887 إلى 128 ناديا كرويا.

لم تكن مباريات كرة القدم خلالها تُلعب من أجل الكأس أو الميداليات أو الجوائز، بل كانت تُلعب من أجل تعزيز الروح الرياضية لدى طلاب المدارس العامة البريطانية، وبناء الانضباط لديهم. بذلك، كانت أول المباريات على الكأس هي مباراة كأس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عام 1871، حيث شارك 15 فريقا، وتوج فريق واندرورز بالكأس حينها، ولم تلبث اللعبة أن توسعت عالميا بفضل البريطانيين الذين سافروا إلى أجزاء أخرى من العالم، علاوة على الاستعمار البريطاني. وهكذا، نالت كرة القدم اهتماما وشعبية جارفة.

بعض قوانين كرة القدم.. كيف تشكلت؟

فكرة التسلل ليست فكرة حديثة، بل ظهرت مع ظهور قوانين كرة القدم لأول مرة عام 1863، غير أن التسلل حينها كان مقعدا بعض الشيء.

القانون كان ينص على أن أي لاعب يتقدم على خط الكرة يعتبر متسللا. بذلك، لم يكن التمرير للأمام ممكنا، حيث كانت اللعبة تعتمد كليا على الركض بالكرة والالتحام البدني. نتيجة لذلك، كان كل اللاعبين يركضون خلف الكرة تماما.

من أجل فتح المجال للتمرير وجعل اللعبة أكثر ديناميكية، أحدث سنة 1866 ما عُرف بـ”قانون اللاعبين الثلاثة”، حيث أصبح التمرير للأمام متاحا، بشرط وجود ثلاثة لاعبين من الخصم بين المهاجم وخط المرمى لحظة تمرير الكرة، وهناك بدأت الكرة تتخذ طابعا تكتيكيا.

قانون التسلل عرف تغييرا آخر سنة 1925، خاصة بعد موسمين عرفا شحا في الأهداف المسجلة في الدوري الإنجليزي، حينها طبق لأول مرة قاعدة “الخصمين”؛ بمعنى أن تواجد أي مهاجم وقبله لاعبين أمام مرمى الخصم، لا يجعله في وضع تسلل، وهو الشيء الذي منح المدربين فرصة زيادة عدد المهاجمين، وهو التغيير الذي أعاد لكرة القدم حيويتها ومتعتها.

وفي عام 1990، شهد النظام آخر تعديل، حين تم منح الأفضلية للمهاجم على المدافع، في حالة ما إذا كان الثنائي على خط واحد.

اليوم، ومع دخول التكنولوجيا إلى عالم كرة القدم، بلغ التسلل ذروة دقته، خصوصا في كأس العالم قطر 2022، حيث تم الاعتماد على التقنية شبه الآلية، وجعل الحسم في قرارات التسلل أسرع وأوضح.

حسب كتاب “كرة القدم بين الشمس والظل” لمؤلفه إدواردو غاليانو، ظهر الحكم سنة 1872، وكان اللاعبون قبل ذلك هم حكام أنفسهم، ولم يكن، كما ذكرنا سلفا، يُعتمد توقيت معين، حيث كانت المباريات تلعب بالساعات، غير أن هذا سيتغير سنة 1880، حيث كان الحكم يحمل جهاز توقيت في يده ليقرر متى تنتهي المباراة.

فكرة 90 دقيقة في المباراة لم تُصبح قانونا إلزاميا حتى سنة 1897. قبلها، كانت مجرد عُرف شائع، إذ أقيمت في 31 مارس 1866 مباراة بين فريق يمثل مدينة لندن وآخر يمثل مدينة شيفيلد، ووقع الخلاف حينها حول مدة المباراة، ليتفق الطرفان على اللعب لمدة 90 دقيقة.

في عام 1897، قام الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بتعديل رسمي على “قوانين اللعبة”، وأدرج فيه بندا ينص على: “أن تكون المدة القياسية للمباراة 90 دقيقة، مقسمة على شوطين متساويين (45 دقيقة لكل شوط).

سنة 1891، اعتمدت لأول مرة مخالفة ضربة الجزاء، وذلك لحماية اللاعبين من الضربات والكسور، وكان الحكم يخطو نحو 12 خطوة محددا نقطة توجيه الضربة ومسافتها عن مرمى الخصم، غير أنه لم يكن هناك إنذار بل كان يُعتمد على التوبيخ الشفهي.

فكرة اعتماد البطاقات الصفراء والحمراء، كانت فكرة عبقرية جدا، حيث تم تبنيها من خلال “إشارة المرور”، وكانت الفكرة من بنات أفكار الحكم الإنجليزي “كيم أستون”، والذي كان يتولى رئاسة لجنة الحكام في الفيفا؛ فبينما كان أستون يتجول في شوارع لندن ويتأمل إشارات المرور، جاءته فكرة أن يتم اعتماد البطاقة الصفراء للإحالة على الحذر، والبطاقة الحمراء التي تشير إلى التوقف. وبذلك تم اعتماد هذا النظام لأول مرة في مونديال 1970.

في ما يخص نظام التبديلات، لم يكن يُسمح، إلى حدود 1965، باستبدال أي لاعب حتى ولو تعرض لإصابة تمنعه من اللعب، حيث كان الفريق يُضطر إلى إكمال المباراة بنقص عددي.

في الموسوم الرياضي 1965-1966، تم اعتماد نظام التبديلات في الدوري الإنجليزي، ولكن بشرط صارم: لاعب واحد فقط وفي حالة الإصابة، بعد ذلك سيتم تعديل القانون سنة 1967، ليصبح التبديل الوحيد متاحا لأسباب أخرى دون الإصابة.

عام 1995، تم تبسيط القانون، واعتماد نظام التبديلات الثلاثة لأي لاعب وفي أي مركز، قبل أن يتم الاعتماد على نظام الخمسة تبديلات خلال سنة 2020، وبالضبط في أزمة كورونا، ومازال هذا النظام معمولا به إلى اليوم.

سنة 2018، ستشهد كرة القدم الحديثة ثورة تقنية هائلة، حيث تم الاعتماد على تقنية حكم الفيديو المساعد (الفار)، ودخلت رسميا بعد تجربتها في عدد من المسابقات الكروية إلى قوانين اللعبة،علما أن التقنية يتم اعتمادها في حالات محددة فقط؛ مثل الإقصاء وضربة الجزاء والتسلل والأخطاء التي تسبق تسجيل الأهداف…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *