انتحار تلاميذ بعد صدور نتائج الامتحانات… مآسي صامتة في ظل منظومة تُقدس النقطة - Marayana
×
×

انتحار تلاميذ بعد صدور نتائج الامتحانات… مآسي صامتة في ظل منظومة تُقدس النقطة

حالات انتحار ومشاهد قاسية يشهدها المغرب في مناطق مختلفة بعد صدور نتائج امتحانات بمختلف المسالك التعليمية خلال نهاية كل موسم دراسي .
حالات انتحار تعيد إلى الواجهة إشكالية الضغط النفسي الذي يعيشه التلاميذ خلال فترة الامتحانات، وتسائل المنظومة التربوية التي تعتمد على العلامة والنقطة كمعيار وحيد للنجاح أو الفشل.

تزامنا مع إعلان نتائج الامتحانات النهائية، خاصة نتائج الباكالوريا، تعود إلى الواجهة، كل سنة، مآسي إنسانية يروح ضحيتها تلاميذ في مقتبل العُمر… تلاميذ اختاروا إنهاء حياتهم بعد إخفاقهم في تحقيق المعدلات التي رغبوا فيها.

خطوة يُقدِم عليها هؤلاء خوفا من مواجهة الضغوطات النفسية، سواء التي تُمارسها الأسرة أو المجتمع، أو رُبما يكون الإشكال منظومة تربوية شكلت في وعيهم أن النقطة والمعدل العام المحصل عليه في النهاية، هو المقياس الوحيد للنجاح.

منطقة البرصوني بمدينة الدار البيضاء، اهتزت مساء الأربعاء 18 يونيو 2025، على وقع فاجعة انتحار تلميذ يبلغ من العمر حوالي 18 سنة، بعدما عاش وضعا نفسيا صعبا نتيجة رسوبه في الامتحان الوطني لنيل شهادة الباكالوريا.

نفس المأساة تكررت بمدينة الجديدة، حيث أقدمت تلميذة على إنهاء حياتها برمي نفسها من سطح منزل أسرتها، بسبب عدم رضاها عن مستواها، حسب ما صرحت به الأسرة.

حالات فردية، ربما تتجه لتكون ظاهرة سنوية، وتجعلُنا نسائل المنظومة التعليمية والأسرة والمجتمع حول ذلك.

بين المقارنة والمنظومة والرضا…

الفاعل الجمعوي محمد هروان اعتبر في تصريح لمرايانا أن الأسباب التي تجعل بعض التلاميذ يُقدمون على هذه الخطوة، يمكن تلخصيها في سبيين: الأسرة والمنظومة التعليمية.

محمد هروان أضاف في تصريحه: “الضغط النفسي الذي يعيشه التلميذ طيلة فترة المراجعة وما بعد الامتحان، خصوصا امتحان الباكالوريا، يرجعُ بشكل أساس للضغط الذي تحمله الأسرة للتمليذ، حيث إن الأسرة تضع توقعات عالية على أبنائها، ما يجعل الثقل هائلا على كاهل الأبناء، تحديدا حول النجاح الأكاديمي وأهمية المعدل والنقطة في حفظ ماء وجه الأسرة أمام المجتمع”.

الفاعل الجمعوي ذكر عاملا آخر تنهجه الأسرة في هذا الصدد، والمرتبط بالمقارنة، سواء مع الأقران أو الإخوة أو أفراد آخرين من داخل العائلة، وهو ما يُفقد التلميذ الثقة في نفسه وقدراته، ويُظهر عقدة النقص لديه.

هذا الضغط النفسي، حسب محمد هروان، قد يكون له انعكاس سلبي على عكس ما تتوقعه الأسرة، من خلال تأثيره السلبي على الأداء الأكاديمي للطلاب وشعورهم بالخوف والرهبة خلال فترة الامتحانات.

إضافة إلى الضغط النفسي، يرى محمد هروان أن تقديس النقطة في المنظومة التعليمية المغربية سببٌ آخر في تكاثر حالات الانتحار، حيث يتم التركيز بشكل مفرط على النقط والعلامات باعتبارها معيارا لتقييم الطلاب، دون النظر إلى جوانب أخرى سواها، قد يكون التلميذ متميزا فيها، علاوة على مُشكل ربط سوق الشغل في المخيال الجمعي بالتفوق الأكاديمي.

عادل غزالي أستاذ علم النفس الاجتماعي، كان قد أشار في تصريح له إلى نقطة مهمة حول الضغط الأسري.

عادل غزالي قال في تصريحه: “مرافقة الأمهات للتلاميذ خلال يوم الامتحان والانتظار طوال اليوم بالخارج إلى غاية انتهاء الابن أو الابنة من الامتحان، يعد بحد ذاته نوعا من الضغط الممارس على التلميذ ولو بنية حسنة، بحيث يتعدى الأمر المواكبة للضغط المبالغ فيه”.

من جانبه، اعتبر الأخصائي النفسي الحسين آيت حدو، أن التلاميذ أصبحوا اليوم يعطون أهمية مبالغ فيها للنقط والنتائج.

الأخصائي النفسي أوضح في تصريحه لمرايانا، أن هذا التوجه يعكس فجوة عميقة بين الهدف الحقيقي للتعليم وقيمة النقطة بحد ذاتها، خاصة حين نجد تلاميذ يحصلون على درجة جيدة جدا وقد لا ترضيهم إذا لم يصلوا إلى 19 أو 20.

الحسين آيت حدو أكد، من جانب آخر، أن هذه الظاهرة تعود إلى عدة عوامل نفسية، أولها السعي وراء الإشباع الآني، حيث أصبحت النقطة العالية مكافأة فورية تمنح شعورا سريعا بالنجاح، وذلك على حساب الفهم الحقيقي والمعمق.

ماذا عن الحلول؟

الأخصائي النفسي الحسين آيت حدو شدد على ضرورة إعادة تعريف النجاح الأكاديمي، وذلك من خلال فهم أن النقطة ما هي إلا معيار جزئي ومؤقت لمستوى التحصيل، وليست مرآة تعكس كفاءة التلميذ، مؤكدا على ضرورة غرس قيم اكتساب المهارات والتفكير النقدي لدى التلميذ من طرف الأسرة والمدرسة.

الأخصائي النفسي شدد كذلك على ضرورة مراجعة المناهج والامتحانات، تحديدا مراجعة مستوى الصعوبة، لضمان أنها تقيس الفهم الحقيقي، والقدرة على التحليل والتطبيق والتفكير النقدي، وليس فقط القدرة على استرجاع المعلومات.

الحسين آيت حدو ختم تصريحه بدعوته جميع الأطراف المعنية إلى تصحيح التمثلات، وتعزيز النزاهة، وإعادة تعريف معايير النجاح والجودة التعليمية.

من جانبه، دعا الفاعل الجمعوي محمد هروان، إلى ضرورة تفعيل برامج الدعم النفسي للتلاميذ خلال فترة الامتحانات وبعدها، كما شدد على ضرورة بناء منظومة تربوية تقوم على المهارات والجوانب الخفية في شخصية التلميذ.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *