بينهم بوحمارة والريسوني: هددوا السلاطين، وبسطوا سطوتهم… زعماء السيبة في المغرب.
إلى حدود توقيع معاهدة “الحماية”، ظل المغرب متأرجحا عبر تاريخه بين طابعين من الحكم: “حكم المخزن”، و”حكم السيبة”.
ارتبط مصطلح السيبة بالقبائل التي رفضت أن تكون خاضعة للنفوذ السلطاني، وتمردت على أعراف المخزن وسياساته وطرق تسييره للمغرب.
قبائل لم تتمرد جماعات، بل كانت خاضعة تنظيما وتسييرا لأفراد ألبوا القبائل وهددوا عرش السلاطين. على رأسهم: الجيلالي الزرهوني (بوحمارة)، وأحمد الريسوني.
على امتداد تاريخ السلطنة المغربية، ومنذ بداية تأسيس الدولة المغربية – إلى حدود فرض الحماية على المغرب – عرف المغرب ظاهرة اجتماعية أرقت السلاطين المتعاقبين على الحُكم وقسمت البلاد قسمين، هي ظاهرة “السيبة”، بل إن المؤرخين يتحدثون خلال هذه الفترات عن “بلاد المخزن” و”بلاد السيبة”.
ظاهرة عُرفت وانتشرت بشكل كبير خلال القرن 18 وبداية القرن العشرين، إذ يُشير إلى الفضاء الجغرافي الذي لم يكن خاضعا لأجهزة السلطان وخارجا عن نفوذه.
البحث في مصطلح “السيبة” يُدخل الباحث في متاهة التوصيفات، بين من يعتبرها نوعا من الصعلكة، بل إن عبد الله العروي وصفهم بتلك الفئة التي “لا ملة ولا دين لهم”.
في حين تذهب تعريفات أخرى إلى ربطها بالقبائل التي رفضت تحكم المخزن، واستقلت بأعرافها المحلية دون الخضوع للمركز السلطاني بأبعاده الدينية والسياسية والمالية.
وهنا يتم الربط بين ظهور “السيبة” مع النزاع القبلي والتمرد السياسي، أو لعلة نقص الموارد والمجاعة، علاوة على استبداد الامتدادات المخزنية في المدن والقبائل من طرف القواد، مع ما لازم ذلك من رفع للفرض الضريبية، الشرعية منها وغير الشرعية.
في هذا المقال، نكتشف اسمين من عدة أسماء طبعت مرحلة “السيبة”.
الجيلالي الزرهوني… متمرد جعل السلطنة على شفا حفرة
ربُّما هو يُعرف لدى المغاربة باسم آخر أكثر تداولا… “بوحمارة“.
يتعلق الأمر هنا، بتلك الشخصية التي أثارت جدلا واسعا؛ فهناك من يعتبره ثائرا تحرريا، بينما يذهب آخرون إلى كون الجيلالي الزرهوني ناشرَ فتنة، خادما للاحتلال.
بين الوصفين، تظل شخصية “بوحمارة” حدثا فاصلا في فترة طبعت تاريخ المغرب.
هو الجيلالي بن عبد السلام بن إدريس اليوسفي الزرهوني، من قبيلة زرهون وسط المغرب، ضواحي مدينة فاس، واختلف على تاريخ ميلاده. لكن أغلب المصادر تجمع على أنه ولد في ستينيات القرن التاسع عشر.
الغريب أن الجيلالي الزرهوني كان موظفا كبيرا في الدولة، بعد تخرجه من المدرسة العسكرية، حيث شغل وظيفة كاتب في ديوان الخليفة السلطاني عمر بن الحسن (الإبن الثاني للسلطان الحسن الأول).
الفترة التي عمل فيها بوحمارة في بلاط السلطان، منحته نظرة عميقة لخبايا البلاط، وشؤون تسيير القصور الملكية وأسرارها.
سُجن الجيلالي الزرهوني لمدة سنتين أو ثلاث، إلا أنه اختلفَ حول سبب سجنه، حيث يذهب إبراهيم كريدية في كتابه “ثورة بوحمارة”، إلى أن الأخير عمل كاتبا خاصا لعبد الكريم بن محمد الشركي، خليفة السلطان في فاس، ولم يكن خلالها نزيها في عمله، وزور خاتم السلطان، فأودع السجن؛ بينما يورد آخرون أنه سُجن بعد وفاة السطان الحسن الأول وتنازُع الإخوة على الحكم، قبل أن يُسقط الخليفة عمر بن الحسن، فسجن بوحمارة مع من سجنوا من حاشية السلطان.
المتفق عليه، أن فترة السجن هاته، كان لها أثرها في شخصية بوحمارة، إذ بعد خروجه مباشرة، بدأت الثورة الحُلم بأن يصبح أميرا وسلطانا، مع العلم أن تلك الفترة، فترة حكم السلطان عبد العزيز، عرفت سخطا عارما من الرعية بسبب سياسات السلطان.
غادر بوحمارة المغرب إلى الجزائر، ثم عاد إلى المملكة المغربية في جبة صوفي، يدعو إلى المعروف وينهى عن المنكر، مهاجما البلاط وسياسة السلطان، معتبرا إياه عميلا للاستعمار وخادما “للكفار“.
استغل الجيلالي الزرهوني الجانب الديني في دعوته بامتياز، وهو الذي يجيد فن الخطابة والإلقاء، فكان أن جمع حوله حشودا ناقمة في الأصل، كانت تنتظر فقط من يُسير وينظم.
انتقل بعدها إلى مدينة فاس، حتى يكون قريبا من بلاط السلطان ودار المخزن، وادعى خلالها أنه الأمير محمد نجل السلطان مولاي الحسن، الذي كان حينها مسجونا نتيجة رفضه تولي مولاي عبد العزيز للحكم.
جمع بوحمارة حوله العديد من القبائل، وفي عام 1902 انطلقت ثورته، فدخل حينها مدينة تازة، التي أصبحت عاصمة لمُلكه، حتى صار يخاطب بـ”سيدنا”.
سبع سنوات، توسع فيها نفوذ بوحمارة، ألحق خلالها هزائم بقادة كبار في الدولة، من بينهم مولاي عبد السلام الأمراني، ابن عم السلطان، والأمير عبد الكبير، شقيق السلطان.
المشهور أن انتهاء ثورة بوحمارة، جاءت نتيجة انهزامه سنة 1908 من طرف السلطان مولاي عبد الحفيظ، حين بدأ الزحف على مدينة تازة. لكن روايات أخرى تحكي أن من أسباب هزيمته اللامباشرة، تعاونه مع السلطات الاستعمارية، وذلك بعقد اتفاقيات تجارية مع فرنسا وإسبانيا.
حينها، بدأت القبائل تنفض وتنتفض ضده، مدركة أنه استغل الوازع الديني فقط من أجل مطامعه.
تم إعدامه في سبتمبر 1909، ورميت جثته ضواحي مدينة فاس وانتهت أخطر ثورة في تاريخ المغرب والمغرب الشرقي.
أحمد الريسوني… زعيم جبالة
في بداية القرن العشرين، دخل المغرب حالة الشتات والفوضى. كانت البلاد حينها تعيش على بركان التمردات، وتعدد الانتفاضات.
بينما كان بوحمارة يبسط سيطرته على مناطق الوسط والشمال، كان أحمد الريسوني الحاكم شبه المطلق في مناطق جبالة.
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله الريسوني، المزداد سنة 1871 ببلدة زينات بريف المغرب.
تربى الرجل في حضن والدته بعد وفاة والده، حفظ خلالها القرآن، وتعلم قواعد اللغة العربية، وأصول الفقه والشريعة.
مرحلة شباب تزامنت مع الظروف التي عاشها المغرب بعد حرب تطوان (حرب بين المغرب وإسبانيا 1859 ــ 1860)، وما نتج عنها من ضعف السلطة المركزية، علاوة على شيوع السيبة والقتل والنهب، فكان الريسوني أحد ضحايا هذا النظام الفوضوي، بعد أن نهب بيته وقتلت أمه خلال الاعتداء.
المفارقة العجيبة أن أحمد الريسوني لما عاش ذلك، كان في بدايته مقاوما لأعمال السيبة، بل كان يبطش بقطاع الطرق عبر عقد تحالفات مع زعماء القبائل، وضع خلالها حدا لأعمال السيبة فيها.
بسبب أعماله تلك، ألقي القبض عليه، وبُعث به إلى الصويرة، حيث قضى هناك في السجن زهاء أربع سنوات، قبل أن تتدخل عائلة محمد الطريس بطنجة، ويتم إطلاق سراحه سنة 1900.
بعد السجن، تغيرت شخصية الريسوني، إذ اختار طريق المكر والعنف من أجل الوصول إلى أهدافه.
بدأت رحلته بالإيقاع بالأجانب القاطنين بطنجة، ما شكل خطرا على المستعمر الإسباني، خاصة أنه جمع حوله عددا كبيرا من المقاتلين من منطقة جبالة.
تحول الريسوني إلى حاكم شبه مطللق في مناطق جبالة، بل وأصبح عاملا على بعض المناطق في منطقة جبالة، إلى الحد الذي جعله يختطف زوجة الملياردير الأمريكي اليوناني “أيون بيردكاريس“، إلى جانب الصحفي الإنجليزي ولتر هاريس مراسل جريدة التايمز.
مع عزل المولى عبد العزيز وبيعة المولى عبد الحفيظ، انحاز الريسوني إلى جانب هذا الأخير، ليعينه السلطان قائدا على القبائل الجبلية، بالإضافة إلى باشوية القصر الكبير وقبيلتي الخلوط وأهل سريف.
علاقة لم تدم طويلا، خاصة بعد دخول الإسبان إلى المنطقة، حينها أدرك الريسوني أن المولى عبد الحفيظ غير قادر على التصدي للاحتلال والاحتفاظ بوحدة البلاد.
وثق علاقته مع الإسبان، محاولا صد التهديد الفرنسي. لكن علاقته بهم، عرفت تقلبات عدة تراوحت بين المهادنة والتفاوض والصراع والسلم.
حينها، أطلق المخزن حملات من أجل إخضاعه. ورغم نجاح السلطة المركزية في اعتقال عدد من أتباعه، إلا أنها لم تتمكن من إخماد تمرد أحمد الريسوني.
من جانبه، شن الجيش الإسباني، مجموعة من الحملات على أحمد الريسوني. إلا أن هذا الأخير انهزم في عدة معارك من بينها معركة 1913 بقيادة سلفستري، بل إن هذا الأخير خاض 11 معركة بين 1913 و1914 ضد أحمد الريسوني، إلا أن فارق العتاد بين الفريقين جعل الجيوش الإسبانية تزحف نحو القبائل التي تقع تحت نفوذ الريسوني، علاوة على انحياز أغلب القبائل الجبلية لحركة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
بعد القضاء على حركته، تم نقله إلى مركز تامسنت بالمنطقة الريفية، إلى أن توفي هناك سنة 1925.
ثورة أحمد الريسوني لم تكن أساسا ضد المخزن، بل كانت ضد المخزن الخاضع للاستعمار، وهو ما أكده توماس غارسيا فيغيراس في كتابه “المغرب”، حيث قال: “كان يطمح إلى رؤية المغرب حرا ومن دون أية وصاية أجنبية”.


