جدل الساعة الإضافية… عريضة إلكترونية تطالب بالعودة إلى التوقيت الطبيعي. فهل تستجيب الحكومة؟
مع نهاية كل شهر رمضان، يعود الجدل مجددا حول الساعة الإضافية في المغرب. تلك الساعة التي أصبح مغاربة يرونها عبئا على حياتهم اليومية، تغير من طبيعتهم البيولوجية والمهنية، ويرون فيها حملا ثقيلا ينعكس سلبا على نمط حياتهم بشكل عام.
اليوم، تمدد الرفض بعد عريضة إلكترونية أطلقها فاعلون مدنيون، علَّ هذا الرفض يجل له صدى داخل أوساط الحكومة التي لا تزال إلى حد الساعة صماء حول هذا الموضوع.
في كُل سنة، وتحديدا مع شهر رمضان، حين تعود الساعة إلى توقيت غرينيتش، يحس أغلب المغاربة أن جزءا منهم قد عاد. ينتظرون تلك العودة بلهفة، وكأنهم يحسون بأن الزمن يتجدد ويتمدد.
فور انتهاء رمضان، ومع إعلان الحكومة الاعتماد مجددا على الساعة الإضافية (غرينيتش+1)، يحس المغاربة، مجددا، أن جزءا منهم قد مضى، ويبدأ النقاش حول جدوى ما يـسمى بالساعة الإدارية.
اليوم، يأخذ النقاش أبعادا أخرى بعد أن ظهور عريضة “الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية“، والتي أطلقها مجموعة من الفاعلين، ووجدت لها صدى واسعا داخل الأوساط المغربية؛ حيث وصلت عدد التوقيعات إلى حدود اللحظة 953 232 توقيعا.
بين صمت الحكومة ورفض الشارع
حملة الرفض هاته لم تعد مجرد غضب شعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أخذت أبعادا قانونية، بعدما استوقت هذه العريضة مختلف الشروط القانونية التي يحددها القانون التنظيمي رقم 44.13 المتعلق بكيفية تحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، والذي نص في مادته السادسة أن تكون لائحة دعم العريضة موقعة على الأقل من قبل 500 من مدعمي العريضة.
جدل الساعة الإضافية وصل إلى المؤسسة التشريعية بعدما وجه خالد السطي، المستشار البرلماني في الغرفة الثانية عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، سؤالا كتابيا إلى رئيس الحكومة المغربية حَول مدى جدوى الإبقاء على الساعة الإضافية في ظل رفض الشارع المغربي لها.
خالد السطي شدد على أن الأمر أصبح يثير نقاشا عموميا متجددا، تُطرح فيه تساؤلات حول مدى أهمية هذا الاختيار بين ما يقدم من مبررات مرتبطة بالجوانب الاقتصادية أو الطاقية، وبين ما يعبر عنه من انشغالات مجتمعية مرتبطة بالإيقاع اليومي للمغاربة وجودة حياتهم.
مغاربة ينددون
اعتبر محمد كورو، مستخدم بإحدى الشركات، أن الساعة الإضافية تشكل نقطة سوداء على صحة المواطنين والمواطنات.
محمد كورو أضاف في تصريحه لمرايانا: “الجسم يعتمد على ما يسمى الساعة البيولوجية لتنظيم النوم واليقظة، وحين تتغير الساعة، يؤدي ذلك إلى تغيرات على مستوى النظام الطبيعي للحياة اليومية، خاصة من خلال الشعور بصعوبة في النوم ليلا والاستيقاظ صباحا، علاوة على الشعور بالإرهاق المفرط والتعب”.
في ما يخص بيئة العمل وتأثير الساعة الإضافية، شدد المتحدث على أن هذه الساعة تؤثر بشكل كبير على مستوى الإنتاجية داخل العمل، حيث تؤدي إلى انخفاض في التركيز، وتقلب المزاج، إضافة إلى الشعور بالتوتر والقلق، إذا اعتبرنا بالأساس توقيت العمل الذي يبدأ في الصباح الباكر، خصوصا في الشتاء، ما ينتج عنه ضرورة الاستيقاظ باكرا، ما يفضي إلى عدم استفادة الجسد من نوم كامل وصحي”.
لم تجد شيماء، أم لطفلين يدرسان بالسلك الابتدائي، تعبيرا أدق لمشكلة الساعة الإضافية إلا بوصفها لها بالكارثة.
هي كارثة على العائلة، وفق شيماء، لأنها تؤثر على الجميع، خاصة أبناءها المتمدرسين.
تقول شيماء في تصريحها لمرايانا: “تخيل فقط أن تُرسل أبناءك صباحا في عتمة الظلام؟ أحيانا أضطر لذلك في ظل غياب الأب أو حين أمر بظروف صحية تمنعني من مرافقتهم… لا يغمض لي جفن حتى يعودون . أطرح أسئلة: هل وصلوا آمنين؟ ألم يعترض طريقهم أحد؟ هل هؤلاء الذين يشرعون هذه الأمور لا ينظرون إلى هذا الإرهاق النفسي الذي نمر به في كل سنة دراسية؟”
تتابع شيماء: “حين يستيقظ أبنائي صباحا، أحس بأعينهم مغمضة، أحس أنهم لم يهنؤوا بنوم صحي عميق. كيف تريد لهذا الطفل أن يركز داخل حجرة الدرس؟ كيف تريده أن ينتبه؟ لا يجد في مقاعد الدراسة سوى مكان ليُكمل نومه. كلنا نحس بأن هذا التوقيت غير طبيعي ولا يتناسب مع حياتنا اليومية. رغم أنهم يدافعون عنه اقتصاديا. لكن راحة المجتمع أهم من ذلك”.
من جانبه، أكد محسن الودواري، أستاذ مادة الفلسفة ومنسق الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية، أن رفض الساعة الإضافية ليس موقفا عاطفيا أو ظرفيا، بقدر ما أن هذا الرفض مبني على معطيات واقعية وتجارب يومية يعيشها المواطنون.
محسن الودواري يضيف في تصريح خص به مرايانا: “هذه الساعة تمس بشكل مباشر التوازن البيولوجي للإنسان، خصوصا لدى الأطفال والتلاميذ الذين يضطرون للاستيقاظ في ظروف غير طبيعية، مما يؤثر على تركيزهم وصحتهم. كما أنها تربك الزمن الأسري والاجتماعي، وتخلق نوعا من الاختلال في الحياة اليومية. ثم إن المبررات المرتبطة بالاقتصاد الطاقي تظل محدودة جدا، ولا ترقى إلى مستوى تبرير كلفة اجتماعية ونفسية بهذا الحجم حسب تقرير وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة. لذلك، نحن نطرح سؤالا بسيطا لكنه جوهري: هل يستحق ربح طاقي محدود أن ندفع مقابله كلفة مجتمعية مرتفعة”.
عريضة كسرت الصمت
محسن الودواري اعتبر أيضا أن فكرة العريضة لم تكن قرارا معزولا، بل جاء استجابة مباشرة لنبض الكثير من المواطنين خلال السنوات الأخيرة، حيث تراكمت معاناة فئات واسعة منعهم مع الساعة الإضافية.
منسق الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية أضاف في تصريح خص به مرايانا: “في ظل هذه الأجواء، كان من الطبيعي الانتقال إلى آلية قانونية مؤطرة، وهي العريضة القانونية، باعتبارها أداة من أدوات الديمقراطية التشاركية التي تتيح للمواطن أن يتحول من مجرد متلق للقرار إلى مساهم في صناعته”.
العريضة اليوم، وفق المتحدث، في مرحلة تنظيمية دقيقة، حيت تم الشروع في تشكيل اللجنة وفق الضوابط القانونية، مع العمل على تعبئة المواطنين عبر مختلف الوسائط. هناك تفاعل إيجابي ووعي متزايد بأهمية هذه الخطوة، ليس فقط كإجراء شكلي، بل كمسار مؤسساتي يروم إيصال صوت المواطنين بشكل رسمي ومنظم إلى الجهات المختصة.
الأساس، حسب محسن الودواري دائما، أن يكسر الصمت حول الموضوع ويحول من كونه نقاش هامشي إلى قضية رأي عام.
اليوم، يضيف منسق الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية، هناك نقاش إعلامي وبرلماني متزايد، وهناك وعي مجتمعي يتشكل حول الكلفة الحقيقية للساعة الإضافية. كما أن حجم الانخراط الشعبي في العريضة والحملة عموما يعكس تحولا في وعي المواطن بدوره في التأثير على القرار العمومي، وهذا في حد ذاته مكسب ديمقراطي مهم.



