الترمضينة… حين يكشف الصيام الممارسات العدوانية - Marayana
×
×

الترمضينة… حين يكشف الصيام الممارسات العدوانية

وجوه مُكفهرة عبوسة، تنظر بشكل قاس، وتنتظر أدنى فرصة حتى تتحول لحظة صيام إلى لحظة سب وشتم وعراك.
الترمضينة… تلك الحالة التي يظهرُ فيها شيطان الإنس، وتُكتب عبارة على جبين البعض: “أنا صائم، إذا أنا مرمضن”.
حالة أصبحت موسمية، تظهر مع بداية شهر رمضان إلى نهايته، تتحول فيها اللحظة التي تسبق الآذان إلى ساحة للتوتر والمشاحنات.
شهر رمضان، شهر لضبط النفس والصبر وخلق التوازن النفسي، فمن أي تأتينا هكذا ممارسات؟

مع حلول شهر رمضان من كل سنة، وأنت تسير بين الطرقات والأزقة، أو ربما على متن سيارة أجرة، تستوقفك مجموعة من الممارسات… ممارسات تتأرجح بين السب والشتم، وتتحول أحيانا إلى عراك بالأيدي، واشتباكات بـالسواطير والأسلحة البيضاء.

الترمضينة، أو لنكن أكثر تدقيقا، التمرضينة؛ هي تعبير عن تلك الحالة التي يُصبح فيها الفرد انفعاليا بشكل مبالغ فيه، حيث يتحول ما قبل آذان المغرب، في أماكن مختلفة، إلى ساحة “حرب” وفضاء للمشاحنات والقلق والاضطراب.

هي حالة موسمية تتكرر بشكل دائم كُلما دخل شهر رمضان، حتى أصبحت سنة واجبة وطقسا من طقوس رمضان.

يربط البعض بين الترمضينة وبين الضغوط التي يتركها الامتناع عن الأكل والشرب، أو عن بعض أنواع المخدرات للمتعاطين. غير أن الأمر أعمق من ذلك، إذا اعتبرنا أن رمضان يفترض فيه في الأصل، أن يكون شهر القيم وضبط النفس والصبر والتجلد.

الترمضينة… مشكلة الإنسان مع نفسه

يعتبر الكاتب والمدون المغربي أحمد الشهبي، أن الترمضينة مرتبطة بالجانب النفسي أكثر مما هي مرتبطة بالجانب الديني، إذ أن هناك أشخاصا، يكون لديهم ضعف في تدبير الغضب والانفعال في الأيام العادية.

يضيف أحمد الشهبي في تصريح خاص لمرايانا: “رمضان يُعري بشكل كبير هذا الضعف، إذا اعتبرنا ما يُضاف إليه من جوع وعطش وقلة نوم والابتعاد من التدخين أو المقهى… كل هذه العوامل تُظهر ما هو مخزن أصلا. وبذلك، فالعصبية لا تأتي ملازمة لرمضان، بقدر ما أن هذا الأخير يُعريها ويكشفها”.

من جانب آخر، حسب أحمد الشهبي دائما، لا توجد علاقة مباشرة بين الصيام والترمضينة، بل العكس تماما؛ فالمفترض في الصيام، أنه محطة لتدريب النفس على الصبر، التحكم في الذات، وضبط الشهوة والغضب. لكن المشكل أننا نصوم بالجسد فقط، لا بالنفس ولا بالسلوك. بمعنى أدق: المعدة صائمة، والأعصاب مُفطرة.

يتابع أحمد الشهبي: “الترمضينة تُظهر أننا بعيدون أحيانا عن قيمة الصيام، وأن الصيام لم يصل بعد لعُمق السلوك الإنساني. وهذا ليس حكما أخلاقيا بقدر ما هو تشخيص. فحين يتحول الإنسان في رمضان لشخص أكثر عصبية، فلا بد أن يراجع علاقته بالصيام، لأن الطبيعي أن يصبح الإنسان مع الصيام أكثر هدوء واتزانا”.

الترمضية، وفق أحمد الشهبي، ليست مشكلة رمضان، ولكن مشكلة الإنسان مع ذاته.  رمضان مجرد مرآة تكشف. إذا استوعبنا ذلك، فسندرك أن العلاج في تعلم كيفية الصيام فعلا… كيفية الصيام جسدا وروحا وسلوكا.

رمضان فرصة لتعلم الصبر

من جانبها، تنتقد الفاعلة التربوية فاطمة باها، الفكرة التي تقول إن الترمضينة حالة طبيعية من مُنطلق أن الإنسان صائم ومُغير لنظام أكله وشُربه ونومه. معتبرة أن الصيام ليس سببا مباشرا للغضب.

تضيف الاستشارية التربوية في تصريحها لمرايانا: “رمضان فرصة لتعلم الصبر وضبط النفس. صحيح أن نقص السكر مثلا، أو قلة النوم، قد تكون سببا في التوتر، خصوصا في الأيام الأولى، لكن المشكل غالبا يكون في طريقة تعاملنا مع الضغط اليومي أكثر من الصيام في حد ذاته“.

لذلك، وحسب فاطمة باها، فتجاوز الترمضينة يكون بتنظيم النوم والتغذية المتوازنة، علاوة على تقليل المنبهات، ومحاولة التحكم في الأعصاب. وحين نحس أننا في حالة غضب، نتوقف للحظة، نأخذ نفسا عميقا، ونبتعد عن أي نقاش قد يُشعل التوتر. لا بد من تدريب النفس على الهدوء والتحكم في الأعصاب، حينها سيتحول رمضان لفرصة حقيقية لتقوية النفس وتحسين الأخلاق، وليس مبررا للعصبية.

وفق هذا المبدأ، يُصبح رمضان تجربة شمولية، تُساعدنا في تقوية جانبنا النفسي عَبر الارتباط بالبعد الروحي والأخلاقي. ويكون بذلك شهر الصيام شهر لإعادة الضبط والتحكم في سلوكياتنا تجاه أنفسنا وتجاه الأفراد، وليس مجرد طقس موسمي يمر علينا مرور الكرام.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *