×
×

تصدير كتاب طقوس ومعتقدات في المغرب لإدوارد ويسترمارك، بقلم برونيسلاو مالينوفسكي

لا يوجد مصنف أفضل من مصنف ويسترمارك في المغرب. وقد تم إجراؤه بعناية فائقة، أكثر من الأبحاث الأنثروبولوجية المتخصصة الأخرى؛ لقد أثمرت جهود ويستسرمارك وفهمه الخاص لعلم الاجتماع؛ وكشفت عن مواهبه اللغوية الاستثنائية وقدرته على الاختلاط بأعراق وثقافات أخرى.

بنشر أول تحفة له عام 1891، تاريخ الزواج البشري، اكتسب البروفيسور ويسترمارك شهرة عالمية كمؤرخ للزواج البشري وكعالم اجتماع رائد، وازدادت شهرته لاحقًا بسبب كتابه “نشأة وتطور الأفكار الأخلاقية” (1906- 1908) حيث أثبت نفسه كسيكولوجي وفيلسوف من الدرجة الأولى.

إن مزاياه، باعتباره أستاذًا في المنهج الاستقرائي وناقدا لاذعا للمغالطات المموهة، لا تكشف إلا من خلال قدرته على بناء نظريات سليمة على أساس علم البيولوجيا ومعرفتنا بالطبيعة البشرية. منذ ذلك الحين، طغت الشهرة التي اكتسبها من خلال عمله النظري على الإنجازات الأخرى المذهلة التي حققها ويسترمارك كتلميذ مباشر للقبائل المتوحشة في المغرب الكبير – أقصى غرب العالم الشرقي.

يقترح هذا المنجز لـويسترمارك بانفصاله الفلسفي وسحره الأدبي، دراسة مريحة أنجزت في دير جامعي قديم؛ ومن الصعب تخيله على السرج، يتسلق مسارات بغل يصعب الوصول إليها في الأطلس الكبير؛ أو بصفته مستكشفًا إثنوغرافيًا جريئًا للريف، يتحدى الأخطار الحقيقية لدرجة أنه كان يجب أحيانًا الإعلان عنه خارج نطاق المسؤولية القنصلية وحماية الحكومة المتحضرة.

ومع ذلك، لا يوجد مصنف أفضل من مصنف ويسترمارك في المغرب. وقد تم إجراؤه بعناية فائقة، أكثر من الأبحاث الأنثروبولوجية المتخصصة الأخرى؛ لقد أثمرت جهود ويستسرمارك وفهمه الخاص لعلم الاجتماع؛ وكشفت عن مواهبه اللغوية الاستثنائية وقدرته على الاختلاط بأعراق وثقافات أخرى.

قضى ويسترمارك، على مدار أكثر من عقدين بين 1898 و1926، ما يعادل سبع سنوات بين مختلف القبائل الأمازيغية والعربية في المغرب. وقام بالتحقيق في الحياة والثقافة الأم من خلال لغتهم الخاصة، والعيش بينهم، وتكوين صداقات شخصية في كثير من الأحيان مع مقدمي المستشفيات وشيوخ القبائل. يجسد هذان المجلدان أهم النتائج وأكثرها جاذبية لأبحاث ويسترمارك. لأنه، على الرغم من أن كتابه مراسم الزواج في المغرب الذي أصدره سنة 1914، قيّم مثل الكتاب الحالي، وأن دراساته العديدة لا غنى عنها للمتخصص، فإن المعتقدات والطقوس الغريبة لأهل التلال الأمازيغية وبدو الصحراء ستكون أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة له وللقارئ العام.

هذان المجلدان، اللذان يعتبران في المقام الأول نموذجا للمنهج والبحث العلمي، يقرآن مثل رواية لمارمادوك بيكثال[1] أو الليالي العربية. في الواقع، ربما يكونان أفضل رفيق وتعليق على أي شرقي كلاسيكي. خذ على سبيل المثال، الجن، الوجه الخاص للكائنات الروحية التي تمارس عبثها باستمرار على الرجال والنساء. أي منا ممن يعرف جيدا الأدب الشرقي، لا يزال يحتفظ ببهجته الطفولية، لكننا لا نعرف أبدًا طبيعتهم الحقيقية. في هذا الكتاب، يقدم لنا ويسترمارك لأول مرة جينالوجيا وتاريخ طبيعتهم والعديد من التلميحات الحكيمة حول كيفية التعامل معهم؛ وأصولهم الآسيوية والمحلية، وطبيعتهم الاجتماعية الحقيقية – التي تتناقض مع تفسير روبرتسون سميث[2] الطوطمي – ترد في فصل خاص، لأن ويسترمارك حريص دوما على إبقاء النظرية بعيدة عن بيان الوقائع.

بعد ذلك، نتعلم كل ما يمكن معرفته عنهم من الفولكلور المغربي، ومن أقوال القرآن، ومن شروح العالم والاخباري، وقبل كل شيء من القصص المشتركة بين الناس. تذهلنا المعتقدات الشعبية بنضارتها وقوتها الخيالية، بنكهتها الرائعة والمعجزة، مما يثبت أن ألف ليلة وليلة لم تنته بعد، ما لم يتم إخمادها بواسطة الأنوار الباردة للحضارة الذي تدفق مؤخرًا إلى مغرب ويسترمارك، بواسطة مدفع رشاش وطائرة.

لحسن الحظ، على الرغم من أن هذه المعتقدات ستموت قريبًا بلا شك، إلا أن أشباحها ستبقى في القصص المحفوظة لنا في هذا الكتاب. وتُظهر لنا هذه القصص الجن يتسكع مع الباعة المتجولين في الأسواق، ويقود الشباب إلى الضلال ويدخل في علاقات حب مع رجل أو امرأة – لأن هناك جنًا إناثًا وذكورًا على حدٍ سواء- فأصبحت الأرواح منتشرة في كل مكان، ومن الجميل أن يجد المرء في فصل خاص تدابير وقائية دقيقة ضدهم وعلاجات للمشاكل التي تسببها.

لا يسترعي الفصل الطويل عن العين الشريرة خيال بائع التحف بقدر ما يسترعي اهتمام عالم الاجتماع. فواحدة من أقدم الخرافات في حوض البحر الأبيض المتوسط والتي لا تزال قائمة في سلوك الإنسان المتحضر، سواء من العرق اللاتيني أو البربر السامي، موصوفة هنا مرة أخرى بكامل التفاصيل والرؤية النظرية التي تتحدى المقارنة. وقد تم تقديم ثروة من البيانات الوصفية، التي تم جمعها مباشرة، ثم قدم معالجة مقارنة للمشكلة، وتحليل المعتقدات، وعدد من الأفكار المثيرة للاهتمام حول التأثيرات الثقافية. وسيظل وصف بصمة العين الشريرة على الفن الزخرفي، مع العديد من الرسوم التوضيحية الشيقة، أحد أكثر الإسهامات المضيئة في التقاليد الشعبية المقارنة.

سيكون تشريح كلمات السب والشتم ذات قيمة كبيرة لأي شخص مهتم بالموضوع. ليس هناك شك في أن الأوروبي سوف يصاب بصدمة من فقر لغته، وعلى وجه الخصوص، ربما، الأنجلو سكسونية، التي تم استنفاذ ذخيرتها، منذ العصر الذهبي لشكسبير، تدريجياً بسبب الخرافات المتزمتة في منتصف العصر الفيكتوري. لذلك، سيجد المهتم بيانات مثيرة للإعجاب في القوائم الطويلة والتعليقات الشاملة المقدمة بهدوء علمي وصراحة. وقد يصاب بالصدمة عندما يجد في البداية تعبيرًا بسيطًا مثل “لعنك الله”، تم تفصيله إلى حد ما في عبارة “لعن الله جدك وجد جدك وجد الشخص الذي لن يشتم جدك”. ولكن، مع وصوله إلى نهاية الفصل سيجد هذه التعبيرات شاحبة وتفتقر إلى الحيوية.

تعطينا ممارسات السحر وممارسات نقل الشر نظرة ثاقبة عن معتقدات السكان الأصليين، مع نكهتها الخام للوحشية الممزوجة ببعض الذكريات الدرامية لأوروبا العصور الوسطى. ويتم سرد المعتقدات والعادات المتعلقة بالحيوانات، مع حس الدعابة المكبوت، ولكن القوي الذي يميز أسلوب وعقل ويسترمارك، وجعل هذا الفصل ممتعًا مثل حكايات يعسوب؛ بينما بالنسبة لسيكولوجيا العلاقة بين الإنسان والحيوان، وهو أمر مهم لعلماء الأنثروبولوجيا في إطار الطوطمية، فإن هذا الفصل له أهمية كبرى، ولا يمكن أن تجد ذكرا للأوصاف المستفيضة والرائعة لطقوس الموت، والمعتقدات والممارسات المتعلقة بالزراعة، وقصة الطواف السنوي، بعد الاحتفالات الرسمية في التقويم الإسلامي إلا هنا.

هناك موضوعان لم يتم التعليق عليهما بعد باعتبارهما ذوي أهمية خاصة للطالب في الدراسات الإنسانية؛ أحدها هو “نقل اللعنات المشروطة” وهي ظاهرة عالمية ملحوظة اكتشفها وسماها ويسترمارك لأول مرة. وتبرز البيانات المقدمة وكذلك تفسيرها مشكلة المحرمات -حجر الزاوية في القانون البدائي والدين البدائي. أما تعليقات ويسترمارك بشأن العهد بين الساميين البدائيين وانتقاده لروبرتسون سميث فسيكون ذا قيمة بالنسبة لأولئك المهتمين بالكتاب المقدس واليهود وللمؤرخ الإسكتلندي المثقف.

الموضوع الثاني ذو الأهمية القصوى هو عقيدة القداسة المورية أو “الفضيلة المباركة”، البركة التي تتوافق مع المانا الشهيرة للميلانيزيين، الأيروكواس أوريندا، سيوان واكن، ألجونكوين مانيتو، والحسينة الملغاشية[3]. لقد جعل هذا النوع من التصور الديني نقطة محورية في الدراسة المقارنة الحديثة للأديان، لا سيما من خلال مساهمة ماريت من أكسفورد. إن حكايات ويستيرمارك عن البركة تتجاوز بكثير من حيث الدقة والشمول والعمق الاجتماعي، البيانات التي نمتلكها من أي مجال آخر، وتزخر بالتأثير على النظريات المستقبلية للدين البدائي. ويجب قراءة ما يقوله ويسترمارك عن السحر والدين في فصله التمهيدي وأخذه بعين الاعتبار من قبل جميع الباحثين في الموضوع؛ ليس لأنه نتيجة للتفكير المحايد فحسب، بل أيضًا نتيجة تجربة مباشرة مع شعب عرف، مع بقائه في التوحش فيما يتعلق بجوانب معينة من الثقافة، كيفية تحليل معتقداته ومعتقدات نظرائه.

بالنسبة إلى طالب اللغة والثقافة السامية، وإلى الباحث المهتم بآثار التأثير القرطاجي والروماني والهلنستي في شمال غرب إفريقيا، وإلى عالم الأنثروبولوجيا العام وعلماء الاجتماع المهتمين بالثقافة على مستوى التوحش الأعلى، فإن هذين المجلدين سوف يكونان مصدرًا لا ينضب للمعلومات والمتعة.

برونيسلاو مالينوفسكي دجنبر 1927، ترجمة محمد تيسوكمين

[1] محمد مارمادوك بكتال أو مارمادوك بكتال (  بالإنجليزية   Mohammed Marmaduke Pickthall)‏ (( 1875 –  1936 بريطاني مسلم مختص في الدين الإسلامي، مشهور بترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية والتي كتبها بأسلوب أدبي شعري.

[2] وليم روبرتسون سميث أركيولوجي بريطاني من مواليد يوم 8 نوفمبر 1846 فى ابردينشاير, مات فى 31 مارس 1894.
[3] إشارة الى شعوب أخرى في مناطق مختلفة من العالم يحضر لديها مفهوم البركة

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *