×
×

المثلية الجنسية… بين استراتيجية البقاء وتدمير الذات

تنزع المثليات والمثليون، وكافة أصناف مجتمع الميم، إلى البقاء على قيد الوجود بكل تقييداته وتهافتات الحكم المسبق الذي يدينهم، سواء بقوة القانون، أو بقوة اللاهوت…
استراتيجية مجتمع الميم من أجل البقاء، تظل مجرد رتابة بصوت خافت داخل سياقنا الممانع القامع، ونهج التقية يغلب على هذه الاستراتيجية حتى لا تتعرض هذه الفئة إلى العنف والتصفية والتحرش والوصم والتمييز والإقصاء.

محمد علي لعموري
محمد علي لعموري

سبق وتناولنا موضوع المثلية الجنسية من حيث تعريفها، ومن حيث حضورها وإقصائها، وكذا واقع المثلية في سياقنا العربي عامة والمغربي على وجه خاص.

لم يكن خوضي في هكذا موضوع مثير للجدل من باب خلق هذا الجدل من جديد، أو التعريض بهذه الفئة، كما قد يفهم البعض، بل إن إلحاحي على أن أعود إليه بين الفينة والأخرى، تقتضيه الضرورة الوجودية والحقوقية، باعتبار أن هذه الفئة محاصرة الوجود مهضومة الحقوق.

اليوم، أطل على الموضوع من زاوية، قد تتشابه أو تتقاطع مع ما سبق الخوض فيه، لكن من باب أن فئة المثليين في سياقاتنا العربية/الإسلامية، تظل رهينة مزاج المتمسكين بالفكر الذكوري عنوانا مغلفا داخل لافتة الهوية الدينية للرافضين لكل اختلاف داخل المجتمع.

فالمثلوفوبيا (أو رهاب المثلية) ما هي إلا محاولة لإسكات صوت الاختلاف حين تستحيل ترجمته حقوقيا، لنيل الاعتراف بفئة لها توجهها العاطفي والجنسي نحو نفس الجنس، سواء كانوا ذكورا أو كن نساء.

في تاريخ الجنسانية البعيد، وتاريخ المثلية، وحضور الميول الجنسي ذي الغرض التكاثري (الغيرية الجنسية التي تحقق الإنجاب) بقوة، وفرضه تاريخيا كما لو كان وصاية ربانية لتحقيق الهدف الإلهي، وتغليب الفكر الذكوري الذي يستلحق المرأة بالرجل، وتنميط الثقافة والذوق العام وجعله يخدم تلك النمطية الذكورية وتسيدها عبر العصور، ظلت المثلية الجنسية تجر ذيول القمع والخيبة، وتصنف ضمن الشذوذ الذي لا يقاس عليه !

في ظل كل هذا الحرد الثقافي/السياسي، الذي كان يأكل من رصيد البقاء في ظل التنوع والاختلاف، وغياب اعتراف واضح لحق الأقليات الجنسية، إلا في العصر الحالي في سياقات غربية، وبقاء الممانعة الثقافية في البيئات العربية/الإسلامية، مستشهدة بالدين وبالعرف وبالحس المشترك المانع لكل حس مرهف، ظل صوت المثلية يئن دوما في صمت تحت وطأة القمع والعقاب والترهيب، حيث تعيش المثلية داخل أسوار فولاذية من الرقابة حينا، والإخراس والقمع حينا آخر، وتجاهل المطالب كذلك من طرف الحقوقيين والحقوقيات والسياسيين الذين لا يلتفتون إلا إلى ما يجلب لهم المصلحة، دون الدخول في نزاع غير مربوح المعارك في ظل تكالب الدين والسياسة ضد المثلية الجنسية!

ينزع المثليات والمثليون، وكافة أصناف مجتمع الميم، إلى البقاء على قيد الوجود بكل تقييداته وتهافتات الحكم الناجز المسبق الذي يدينهم، سواء بقوة القانون، أو بقوة اللاهوت، أي أن استراتيجية مجتمع الميم من أجل البقاء تظل مجرد رتابة بصوت خافت داخل سياقنا الممانع القامع، وأن نهج التقية يغلب على هذه الاستراتيجية حتى لا تتعرض هذه الفئة إلى العنف والتصفية والتحرش والوصم والتمييز والإقصاء.

إن استراتيجية البقاء هنا تصبح هي استراتيجية الإخفاء، وخطة مجاراة سياق منافق، والعبث بالطرح العادل لهذا الحق المسكوت عنه حتى إشعار آخر…

بالموازاة مع ذلك، نرى داخل هذه الاستراتيجية الوجودية للمثلية، تآكلا ذاتيا بين فرقاء نفس المجتمع الميمي، أي أن مع غياب الحصانة القانونية، والتحصين الحقوقي، تزداد نسبة التدمير الذاتي، بغياب رؤية واضحة للعيش المتلاحم بين أفراد مجتمع الميم نفسه، وإهمال عنصر القوة المنبعثة من داخل الذات لمواجهة إكراهات العيش داخل مجتمع منافق، بعدم تقدير الذات الفردية والجماعية (نسبة إلى مجتمع الميم)، وارتفاع مؤشر الإصابة بالتعفنات المنقولة جنسيا، ما دام الوعي بضرورة حماية الذات من كل تدمير من الخارج، ليس بذي أهمية عند هذه الفئات المهمشة، والتي ترى في تدمير نفسها بنفسها مجرد تحصيل حاصل، يستمد مبرراته من تدمير خارجي قد طالها ويحيط بها، ويجعل وجودها عالة على مجتمع لا يقبل بهذا الاختلاف وبهذا الواقع المتوجع.

هكذا تبدو المثلية الجنسية قابعة بين فكي كماشة، ما بين وجود مضطهد (بفتح الهاء) يرمي بها في غياهب السجن المظلم المضاعف، أي أن يشعر المثلي أنه داخل مجتمعه في سجن كبير، وداخل أسوار سجن العقاب، سجن أصغر لكنه أكثر خنقا للحرية ولهامش التحرك، وبين رغبة ذاتية لإنهاء عذابات تواجد غير مرغوب فيه، وهذا ما تنوء به فئة منهم (هن) للتعجيل بحالة الخلاص من هذا السجن الكبير، والظلم المتواصل، ما دامت السلطتان السياسية والدينية تتحدان لإطالة أمد السجن واستدامة الظلم، من باب أن هذا الموضوع غير ذي أولوية عند السياسي، ومادة دسمة لرجل الدين لتأجيج خطاب الكراهية ضد تلك الفئة… الحائط القصير!

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *