×
×

‪ العنصرية… داء لا دواء له‬

مع انتشار مقطع الفيديو الذي يوثق مقتل الأمريكي “جورج فلويد” بطريقة وحشية، لا تمت للإنسانية بصلة… وما أثاره من غضب واحتجاجات عارمة في شوارع العالم الأول، خصوصا منه الأمريكي… رجعت بي الذاكرة إلى عصر ما قبل كورونا، وبالضبط إلى مكانين…

أولهما مدينة الدار البيضاء، حيث الصورة الحقيقية للمجتمع المغربي المتنوع والمتعدد ثقافيا واجتماعيا، فغالبا ما أتردد على زيارتها كلما سنحت لي الفرصة، ولا أفوت كذلك فرصة ركوب “الباص”. هو في حد ذاته عالم من عوالم الدار البيضاء، هناك صورة مصغرة لسلوكيات الخير والشر في المجتمع المغربي…

واحد من بين التصرفات التي علقت في ذاكرتي العنصرية اللفظية، التي يتقيؤها بعض المغاربة على المقيمين الأفارقة من جنوب الصحراء… ومن المشاهد التي أتذكرها منذ سنتين…

وقف الباص فإذا بامرأة سمراء همت بالنزول، وبحكم الزحام الذي في الحافلة، احتكت برجل أبيض، اعتذرت منه كما نفعل نحن مع بعضنا البعض، لكن “الرجل الأبيض”، نطق بأقذر الشتائم في حقها، واصفا إياها بالبقرة، قال لها بالدارجة: “آشوري أ البگر”، دون ردة فعل من السيدة، ربما لأنها لم تفهم ما قاله “الإنسان المتحضر”، وأظن حتى لو سمعته سيكون جوابها السكوت ليس إلا..

هذه صورة من الصور التي تلمحها عيني يوميا، أما عبارات “هؤلاء السود عمروا المدينة” أو “هؤلاء البغال صاروا يحجزون الكراسي بكاملها”… فحدث ولا حرج.

ثانيهما، الحرم الجامعي بمدينة مراكش، والذي يعد محجا للطلبة من كل حدب وصوب، من داخل المغرب أو خارجه، كل جماعة تقول نحن الأصل، والآخرون رحل قادمون ليس إلا، وآخرون يقولون نحن الحضارة وأنتم بدونها تائهون لا هوية لكم…

كثيرا ما كان يتردد على مسامعي، أننا نحن العرب، مجرد محتلين أو رحل قادمين من الصحراء، ومن الأفضل الرجوع إلى أرضكم لتشربوا بول البعير… في المقابل نحن نصفهم بالمتخلفين، وأن المغرب بني بسواعد عربية، وأن من يدير المغرب هو عائلة عربية قادمة من شبه الجزيرة العربية…

قد يقول قائل، إن هذه التصرفات والسلوكيات، ما هي إلا تصرفات صبيانية، ولكن الحقيقة، أنها تتغذى من مرجعيات تحمل الحقد تجاه الآخر الذي لا يشبهها، لتترسخ في عقولنا وينتج عنها جرائم قتل، كما حدث للطالب الأمازيغي “ازم” الذي قتل سنة 2016، أمام أعين الطلبة و المارة من قبل مجهولين منتمين إلى أحد التجمعات المتعصبة للطالب “الزاگوري”.

… أما الإقامة الجامعية، فقد كانت تقسم إلى طوابق في كل عمارة، الطابق الذي يسكن فيه “السرغيني” لا يسكن فيه “الصحراوي”.

هذه كلها مشاهد توكد أن ‏العنصرية ليست فقط “أبيض وأسود”، وإنما العنصرية تبدأ عندما يعتقد كل واحد منا أنه أفضل من الآخر، عندما يفضل الأنا ويقصي الآخر… إنها من صفات النفس البشرية المتجذرة فينا… تتأرجح حسب مدى التحكم فيها، وحسب المرجعيات الدينية، الثقافية، الاجتماعية…

تثير قضية “جورج”، سؤال الهوية في المجتمعات التي صارت تتحدث عن الإنسان كمواطن ينسب إلى البلد الذي يعيش فيه، بغض النظر عن أصوله ولون بشرته…

فأمريكا التي حسمت سؤال الهوية منذ عقود خلت، يؤكد ما تعيشه اليوم، أن الهوية ما زالت مائعة ومفككة، ويكفي وجود زعيم شعبوي لإثارتها بشكل عنيف وفج.

وتبقى العنصرية مثل داء الجرب… لا يرتاح صاحبه إلا بحك جلده، كذلك العنصري… لن يرتاح له بال، إلا بقذف سمه في أخيه الانسان.

تعليقات

  1. يوسف بابا

    حقيقة أن هناك من يُفَضَل وينبذ على حسب مقياس اللون هو لعمر الله لمنتهى الرزية والجهل والغباء ويستفحل هذا في النفوس إن عُلِم وقوعه في مجتمعات كثيراً ما رفعت شعار الحرية والإنسانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *