×
×

نريدها “حرية تعبير” عالية الجودة!

لنتفق أولا: ما يحدث اليوم حالة عاطفية جماعية، ووضع نفسي جماهيري عابر، منطقه دعائي لا علاقة له بالفعل التواصلي. اﻷشد إيلاما أنها معركة تكسير عظام بين اﻷحزاب السياسية قبيل اﻹنتخابات كان وقودها الحارق المحترق الرأي العام.

إنصافا لكل ذي حق، ما يقول به المغاربة اليوم حقوق استهلاك مشروعة، لا يمكن التعقيب عنها فضلا عن رفضها أو معارضتها. لكن المرفوض بالجزم أن يتم تكييفها طفرة نوعية في الوعي الشعبي، أو وقفة فيسبوكية نضالية من أجل “حرية التعبير” والديمقراطية وحقوق اﻹنسان واﻷنوار… فحرية التعبير كما تلقنتها يوما وأعيشها اليوم، أكبر وأقدس… وأثمن!

أقدم نفسي “ملكيا_حداثيا” حاملا لقناعة وأطروحة سياسية. بـ”حرية التعبير”، جالست لثلاث سنوات بكلية الحقوق مكناس ولا أزال، أكثر اليسار راديكالية وثورية. أقتنع منهم تارة وأحرجهم تارة أخرى… اﻷهم، وباسم “حرية التعبير”، نبل ورقي تلك الصداقات والنقاشات…

اقرأ أيضا: من فرنسا، الباحث السوري وسام الناصر يكتب: الوجه الآخر لفيسبوك: مستنقع الكراهِية والعدوانيّة

بـ”حرية التعبير”، قضيت رمضانا مع صديقي غير المسلم. أستيقظ باكرا أعد له فطور الصباح، وأعود مساءً من الكلية وهو المنهمك في المطبخ يعد وجبة إفطاري. نتقاسمها… يرى فيها لمجة وأرى فيها إفطار صائم. إختلف اﻹيمان النسبي بالسماء، لكن المشترك الثابت ابتسامة اﻷرض التي لا تفارق المحيا وبريق المحبة الذي لا يفارق العيون، كل هذا باسم الحرية وحرية التعبير.

باسمها انخرطت في الحملة اﻹنتخابية لحزب اﻷصالة والمعاصرة، كنت أرى فيه حزب الحداثة المؤمول، لأكتشف أنه “أمل مكذوب”. لكن اﻷهم أني، في تلك اﻷيام، كنت مؤمنا بحق اليسار المقاطع للانتخابات. أصدح صباحا في الشوارع ضد اﻹسلاميين، ومساءً أحتسي القهوة رفقة صديقي “اليساري المقاطع”. أحكي له ما كان من معركتي ضد الظلام، ويحكي لي ما يفترض أن يكون…

باسم “حرية التعبير”، كنت أقدم مرافعات لصالح كونية الحريات في جلسات ومقالات يوم توجس “المناضلون الموسميون” في الحقول الفيسبوكية اﻹفتراضية… وهكذا!!

“حرية التعبير” التي توظف ضد النقاش الحر، ليست إلا شرعنة مقصودة للفوضى واﻹستبداد؛ فالتعبير في محصلة اﻷمر وسيلة، قيمتها في ما تنقله من أفكار…

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: أيام الحجر…. عن صحافة الداخلية ووزير الـعــ (ــز) ل!

أي حرية هاته التي تجعلك تصف النساء بناقصات العقل والدين.. وتجعلك خصما للعلاقات الرضائية لصالح الكبت أو النفاق.. و تجعلك ترى في العلمانية كفرا و إلحادا عن جهل معرفي أو جهالة أخلاقية، و تعتبر مواقفي الحرة مؤامرة أو أجندة مخزنية أو إماراتية أو فرنسية… وأنا الذي لا أتقن جملة مسترسلة بالفرنسية!!

إن لم يكن مجموع هذا اﻹيمان هو عين الديمقراطية وحرية التعبير، فلا كانت الديمقراطية ولا كانت حرية التعبير… و إن كان كل ما قيل وقوفا ضد ارادة الشعوب، فلا عاشت إرادة الشعوب.

كلمات ليست من قبيل اﻹستبداد الناعم… لكننا نريدها “حرية تعبير” عالية الجودة.

يشهد التاريخ العجوز، أن محركاته عقول وليست بطونا…  وما دون ذلك سيتكلل الحليب ويجف الماء وتخمد نار الوقود، وستظل الديمقراطية جثة هامدة مزينة بمساحيق تشريعية وشعارات ومقولات سياسية تلتقط معها السلطة صورا و يقضي منها اﻹسلاميون وطرا، يتغزل بها المفكرون وتتحرش بها الشعوب… وينبذها الجميع عند أول اختبار…!

نريدها حرية تعبير أوضح و أشجع، لنستطيع يوما ما أن نرى أنفسنا في مرايانا.

اقرأ أيضا: فاطمة أبيدار تكتب: الجمهور عايز كده…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *