×
×

أوقفوا التفاهة، وافتحوا المجال لذوي العقول الإيجابية!

إن الدرس الذي ينبغي أن تتعلمه الدولة المغربية من انتشار الوباء، هو أن تضع حدودا للتفاهة وأن تفتح المجال للعقلاء… أن تعمل على “بناء الإنسان”، الإنسان الحامل لقيم كونية، المؤمن بالخطاب العلمي… الإنسان العملي، وليس من يتنظر الحلول الجاهزة، الأناني المريض، المشعوذ والخرافي.

اشتهر العديد من المفكرين والفلاسفة والعلماء بنظرياتهم العلمية التي غيرت نظرة الإنسان إلى الكون، وكذا أفكارهم التنويرية التي ساهمت في الرقي بالإنسان إلى الأفضل.

اشتهر على سبيل المثال الأمريكي توماس إديسون بكونه اخترع المصباح الكهربائي وأنقذ البشرية من الظلام. وقد أطفأت الولايات المتحدة الأمريكية الأنوار ليلة وفاته عام 1931 لفترة وجيزة، تكريما لإختراعه المذهل واعترافا له بمجهوده وإنجازه الكبير.

وقد عرف نيوتون بنظريته في الجاذبية من خلال سقوط التفاحة على رأسه، إذ حفزته على التفكير ودفعته إلى التساؤل.

في ألمانيا، اشتهر إنشتاين، العالم الفيزيائي، بنظريته في النسبية وهي اللبنة الأولى للفيزياء النظرية  الحديثة.

كما أن الفيلسوف سقراط عرف بعبارته الشهيرة : “كل ما أعرفه أني لا أعرف شيئا”، تعبيرا منه عن تواضعه المعرفي..

كما أننا لا يمكن أن نذكر الكوجيطو : “أنا أفكر إذن أنا موجود”، دون أن نستحضر ديكارت، الفيلسوف الذي جعل الإنسان مركز الكون باعتباره ذاتا مفكرة، تثبت وجودها من خلال الفكر.

يكفي في زمننا أن تتلفظ بكلام خاطئ وشبه مضحك، لتصبح مشهورا ونموذجا يتزاحم الناس حوله من أجل التقاط صورة فوتوغرافية.

وقد ارتبطت المقولة الشهيرة “الحجيم هو الآخرون” بالوجودي الفرنسي جون بول سارتر، تلك المقولة التي تعبر عن مدى الصراع الذي تعيشه الأنا مع الآخر.

يصعب علينا في الحقيقة جرد وذكر كل الكبار الذين عرفهم التاريخ الفكري والعلمي والسياسي كذلك. اكتفينا فقط بنماذج قليلة كمحاولة لإيصال الرسالة التي نود التطرق إليها.

يجعلنا الأمر ننتقل للحديث عن واقعنا اليوم، في زمن ارتفع فيه عدد المشاهير التافهين. بفضل نوع من الإعلام السائد، تحولوا من “أقزام” إلى “عمالقة” تستضيفهم بعض القنوات الإعلامية للتعريف بهم ومنحهم قيمة أكبر من حجمهم. إنها  كائنات تتوالد بشكل يومي. تتراوح أدوارها بين الشعوذة والتهريج وتبادل السب والشتم.

يكفي في زمننا أن تتلفظ بكلام خاطئ وشبه مضحك، لتصبح مشهورا ونموذجا يتزاحم الناس حوله من أجل التقاط صورة فوتوغرافية.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: معنى الجائحة؟ أن تراهن دولة فاشلة على مواطن فاشل!

في زمننا كذلك، يكفي أن تغني أغنية تافهة ليصفق لك جمهور عريض بدأ يفقد حاسة الذوق الفني.

تبين بالملموس أن التفاهة ساهمت في تعميق الجهل في عقول الناس حين وصل الوباء القاتل “كوفيد 19” في شهر مارس من العام 2020 إلى المغرب، حيث أعلنت الدولة المغربية حالة الطوارئ لتجاوز المحنة التي تمر منها البلاد، وحفاظا على سلامة الجميع. لكن الكثيرين لم يستيجوا لندائها لكونهم كائنات يصعب إقناعها بالحوار.

هناك من خرج بتصريحات قائلا:  بأن الوباء مجرد أكذوبة ينبغي إنكارها، مع العلم أن خبر تفشي الفيروس القاتل قد زلزل العالم.

رفض الكثيرون قرار إغلاق المساجد كخطوة مؤقتة، وصلّوا في الشوارع، مما جعل العديد من المتتبعين للأحداث ينتقدون ويرفضون هذا  السلوك الجماعي.

هناك أيضا من كفر الدولة نتيجة هذا القرار الوقائي…

خرج البعض الآخر إلى الشارع يصيح “الله أكبر” في وجه الوباء، منطلقا من فكرة مفادها أن الله أرسل الفيروس كجندي من جنوده ليعاقب البشر. سلوكيات تسيء في واقع الأمر لإله رحيم بعباده؛ لأن الفهم الخاطئ للدين كثيرا ما يؤدي إلى سلوك عنيف وتكفير الآخرين وتعريض حياتهم للخطر.

لقد زعزع الوباء العالم وجعل العقل البشري ينشغل ليلا ونهارا  بالبحث عن علاج له، من أجل إنقاذ الأرواح البشرية.

إن الدرس الذي ينبغي أن تتعلمه الدولة المغربية من انتشار الوباء، هو أن تضع حدودا للتفاهة وأن تفتح المجال للعقلاء… أن تعمل على “بناء الإنسان”، الإنسان الحامل لقيم كونية، المؤمن بالخطاب العلمي… الإنسان العملي، وليس من يتنظر الحلول الجاهزة، الأناني المريض، المشعوذ والخرافي.

لقد تجاوز الوباء كل الديانات وكل الثقافات، كما تجاوز كل الحدود الساسية.

إنها بالفعل جائحة عالمية، أعلنت الحرب على الإنسان.

اقرأ أيضا: أسماء بن العربي: مشكلتك… فرصتك لتخلق البوز

تعليقات

  1. خالد بنشامس

    “صناع القرار” -إن كان لدينا صناع قرار- في هذا البلد الحبيب يتلاعبون بالنار ويحسبون أنهم على شيء…
    قرأت مقالك حتى الآخر صديقي يوسف، أتمنى أن تصل مناسدتك لأوسع شريحة من القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *