×
×

فاطمة أبيدار تكتب: الجمهور عايز كده…

كان كوبيرنيك وغاليليو… أيتام عصرهم الى جانب الحقيقة، مقابل آلاف “المزطولين” بحمى الدين في دفاعهم عن باطل!!
و.. كان جل علماء ومفكري وفلاسفة ما يسمى ببلاد الإسلام عبر التاريخ، أيتام عصرهم أمام منطق الأغلبية الراجحة، التي زندقتهم وكفرت إسهاماتهم الكونية في الطب والكيمياء والرياضيات والفلك قبل الفكر والفلسفة… ولم ينصفهم إلا التاريخ كابن سينا والرازي وابن الهيثم وابن رشد وبن المقفع !!

لو كان منطق الأغلبية الراجحة مفيدا في تغيير أحوال البلاد والعباد، لكان حال “أمة المليار” أفضل بكثير مما هي عليه في مؤشرات التنمية والاقتصاد والسياسة والتعليم…

تلك الأمة التي… تتحول فيها أعراس الديمقراطية والانتخابات، إلى مجرد مواسم للبيع والشراء والبلطجة والتصويت تحت وصاية الدين والقبيلة والولاءات المختلفة، بعيدا عن منطق المواطن الحر والمسؤول المراقب في مسؤوليته والتزامه في الفضاء العمومي…

لو كان حكم الأغلبية والفوط (vote) مجديا عندنا، لنظف حقل السياسة من دينصورات الفساد السياسي بواسطة التصويت العقابي…

لكننا، للأسف، نرى بأم أعيننا كيف يعاد إنتاج نفس المستنقع، ونفس الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الموبوء، بواسطة نفس المنطق الأغلبي.

… ولو كان منطق الأغلبية، الذي تجسده مقولة “الجمهور عايز كده” مجديا فعلا، ومؤشرا وداعما لجودة مستوى الذوق الفني، لكان الجمهور المتدافع على مشاهدة وتقاسم التفاهة وترويجها، قادرا على تغيير هذا المشهد الذي يحبل بـ “الزعيق” والسطحية والبؤس والهبوط والانحطاط شكلا ومضمونا في المنتوج الفني، رغم بعض “الانقشاعات” هنا وهناك، في زمن كيف تصنع نجما، أو بالأحرى، عاهة فنية في سبعة أيام… بدون معلم !

لو كان الفن الحقيقي يقاس بعدد المشاهدات واللايكات… لكانت “الطراكس” وكل مشتقاتها من الفقاعات التي تصنعها الطوندونس، هم ممثلو وعمالقة الفن الراقي الذي نباهي به الأمم ونربي به ذوق الصغار… مع كل الاحترام لخيارات الأشخاص.

ولو كان منطق النفير، وتجييش الذباب الإلكتروني، مقياسا لقيمة الشخص/ الصنم وأهميته أو تهافته، لكان نجوم اليوتوب والانستغرام، علماء وأنبياء زمانهم، وأفضل من يقود المجتمع نحو الخلاص، ويوجه دفة التغيير ويرتقي بالذوق والوجدان الجماعي وسلطة الحق والعدالة.

لكن، للأسف…

لأن الأغلبية “الراجحة” و”الجماعة” و “الفوط vote” بالجيمات ونسبة المشاهدات، والديمقراطية العددية، ليست بأي حال، عنوانا لجودة الحكم والذوق ولا عنوانا للخلاص والحق والحقيقة. بل هي، في النهاية، منطق ديكتاتوري متخفي وراء الكثرة العددية، للفتك بكل ما هو نوعي مفعم بقيم الخير والجمال والحق.

منطق… يحكمه توظيف السطحية والعزف على وتر العاطفة والانفعال والغرائز والذاتية والنفعية و بيع الوهم، للإجهاز على كل ما هو خير وطيب…

… فلا يمكن أن نفهم هذا السعار، وهذا الضجيج الإعلامي الذي يبدو فيه أن لا أحد ينصت للآخر… “وكولشي كايشير بالحجر” !!!

لا مكان للحوار الهادئ والاحترام، ولا وقت لدينا لذلك… وكأننا في حلبة مصارعة صاخبة، والجماهير تهتف من كل حدب وصوب وراء بطلها في المصارعة الحرة، في انتظار فقط… من سيفوز بالضربة القاضية أو بالضرب تحت الحزام !!

كيف لا وقد أصبحت الفبركة والتزوير و”البيراطاج والسكرين” المخترق للخصوصية وغيرها كثير، وسيلة توظف في هذا الصراع الذي نعيشه في هذه الغابة الزرقاء !

كيف لا وقد أصبح عدد المشاهدات، وفق عناوين براقة كاذبة ومغلِّطة، وعدد الجيمات، حتى ولو كان مصدرها حسابات وهمية منظمة وممولة من جهات وقوى تخدم مشاريع وأجندات كبيرة، وسيلة لإثبات الذات والحق والحقيقة، وسلاحا لتحطيم الآخر/الخصم وقتله رمزيا، وليس وسيلة فردية مواطنة حرة ومسؤولة… للحوار والمساهمة الفاعلة في النقاش العمومي والرقي به إلى مستوى الآغورا الرقمية!

علينا أن نفهم… أن الخلط بين السياسي والعلمي من جهة، وبين السياسي والديني من جهة أخرى، وبين هذه العناصر كلها، يضعنا أمام خلطة عجيبة، لا تخدم أي حقل من هذه الحقول… لأنها بعيدة عن المنطق الابستمولوجي، الذي يحدد خصوصية كل حقل وخصوصية مناهجه و مفاهيمه (…)

علينا أن نفهم… أنها خلطة عجيبة تحول الجدال العمومي الى مجرد سفسطة رقمية، تتوغل و تغزو أكثر فأكثر، مواقع التواصل الاجتماعي، لترفع من شأن هذا وتحط من شأن ذاك، بعيدا عن منطق العقل والحق والحقيقة…

“الفوط le vote”… أو التصويت مهما كانت طبيعته، هو أداة سياسية انتخابية، وليس أداة يمكن استخدامها في إثبات الحق والحقيقة…

الحقيقة العلمية، بمعناها الابستمولوجي، لها معايير وشروط بناء خاصة لا تقبل منطق التصويت la vérité  ne se vote pas ! Elle est .

لقد كان كوبيرنيك وغاليليو… أيتام عصرهم الى جانب الحقيقة، مقابل آلاف “المزطولين” بحمى الدين في دفاعهم عن باطل!!

… وقد كان جل علماء ومفكري وفلاسفة ما يسمى ببلاد الإسلام عبر التاريخ، أيتام عصرهم أمام منطق الأغلبية الراجحة، التي زندقتهم وكفرت إسهاماتهم الكونية في الطب والكيمياء والرياضيات والفلك قبل الفكر والفلسفة… ولم ينصفهم إلا التاريخ كـ ابن سينا والرازي وابن الهيثم وابن رشد وابن المقفع !!

إذا كان للديمقراطية من عيوب تذكر، فهي أن ثمارها لا تكون طيبة إلا في مجتمع المعرفة والوعي، وليس مجتمعا يعيث فيه الفساد السياسي والفقر والجهل والمرض… وهذا ما تنبه له بشكل مبكر حتى “مخترعو” الديمقراطية باليونان.

فأفلاطون، وعدد من الحكماء، عابوا على الديمقراطية نقطة ضعفها هاته. ألم يكن هذا المنطق الأغلبي هو الذي أدى إلى محاكمة سقراط الشهيرة، حين اختارت الأغلبية إدانة سقراط بنفس التهمة العابرة للتاريخ والأديان… وهي تهمة الإلحاد بآلة المدينة! لكن السحر انقلب على الساحر، فحولها سقراط إلى محاكمة للديمقراطية الآثينية (1) من خلال “محاكمة المحاكمة”.

… إن منطق الأغلبية الراجحة، المختزل للديمقراطية بمفهومها الواسع، باعتبارها مبادئ وممارسات وآليات ومنظومة، لا يمكن أن تتجزأ وتختزل في مجرد فوطvote، أو سلم نصعده لبلوغ السلطة، ثم نركله لنمارس ديكتاتورية الأغلبية. ذلك أكبر مصيبة وأكبر غباء سياسي يواجه شعوبنا، التي تعيش تحت وطأة احتباس وركود حضاري مزمن.

المتنور لا يحكمه هذا المنطق الأغلبي المتخلف، بل يحكمه منطق الإقناع وحكمة العقل واستخدامه بحرية في الحكم على الأشياء واتخاذ القرار المناسب… بعيدا الوصاية.

 

 

(1): أول ديمقراطية في العالم وضعت حوالي القرن الخامس قبل الميلاد في دولة المدينة أثينا.

تعليقات

  1. Younes berhich

    شكرا على كل المجهوداتك معنا يا أحسن أستاذة في العلم و أتمنى لكي مسيرة موافقة⁦♥️⁩😍😍

  2. Omayma ochtban

    شكرا لكي استاذة غدعلى كل مجهوداتك الطيبة معنا💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕💕

  3. هشام حسنابي

    شكرا استاذتي مقال رائع

  4. الحسات الكيموش

    نشاطكم الرأي ونعمل جاهدين دوما التنوير من أجل بلد أفضل. بوجود أمثالكم يبقى الأمل. أن نعي ما حولنا بداية التغيير…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *