×
×

هل ستغير كورونا موازين القوى في العالم؟

إن هذه الجائحة العالمية تسعفنا في الاطلاع على فصل من فصول الوجود البشري وعلى حاضره، سنستفيد منه الكثير من الرسائل والعبر، والدروس الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية.

كما أنها تدون في التاريخ صفحة جديدة منه، طبعا لن تكون قطيعة مع السابق، ولكنها واقع جديد بلبوس جديد. واقع لن تتغير فيه موازين القوى القائمة. لنقل بتعبير آخر إننا على أعتاب صراع جديد من نوع آخر، لن تكون فيه لا نهاية ولا بداية طبعا، لكنها ستكون لا محال استمرارية بحلة جديدة، فالأزمات على مر التاريخ كانت محكا للبشر، في كنفها لطالما انكشفت حقيقته، وحدثت أشياء كثيرة غيرت ما قبلها وربما قطعت معها.

من جملة التغيرات التي نفترضها هاهنا، وضدا على مجموعة من التوقعات، فإننا نعتقد أن أي تغير يمكن أن يطرأ، لن يغير شيئا من موازين القوى المهيمنة ولا من نظامها، بل على العكس من ذلك، سيقويها أكثر من ذي قبل.

أقول هذا بغض النظر عن أي افتراض يذهب باب التفكير في مدبر لكورونا. فما أقصده ينطلق من افتراض مفاده أن كورونا وباء محايد يتحرك بمنطقه الخاص القادر على استهداف أي كائن بشري، وعليه يصبح الفعل المنتج من طرف كل جانب في عملية التفاعل هو الذي يقوي مكانة الصدارة بين قوى العالم، بل ويعبر عن قوته وكينونته. وحين أقول الفعل أقصد نوعيته وليس بعده الكمي. لنأخذ الصين وأمريكا وروسيا وأقوياء أروبا. هذه العينة، إذا قاربناها، سنجد أن أكثرهم سيطرة على المرض هي الصين، باعتبار أنها هي أول من تفشى فيها الوباء بشكل مهول، ومع ذلك تمكنت من السيطرة عليه أكثر من غيرها.

السؤال الذي قد يطرح، هل هذا يعني أن الصين أضحت الأكثر قوة، ويمكن القول إنها بفعلها هذا باتت هي وريثة النظام العالمي القائم؟ الجواب في نظرنا، لا. لماذا؟

الجواب على هذا السؤال لا يمكن أن يتم إلا إذا انفتحنا على سؤال آخر وهو كالتالي: ما الذي يجعل الصين أكثر نجاعة من غيرها في التعامل مع الوباء؟ الجواب بالنسبة لنا يكمن في طبيعة النظام السياسي القائم داخل كل واحد من هذه الدول، وأظن أنها تنتظم جميعها ضمن شكلين سياسيين، نظام صارم ومهيمن على مستوى هرم السلطة تمثله الصين وروسيا، في مقابل نظام ديموقراطي تمثله باقي الدول الأخرى.

هذا العامل هو الذي جعل عملية التحكم في العامة والسيطرة عليها أمرا يسيرا بالنسبة للشكل الأول أكثر من الشكل الثاني. وأثر هذا سيضعنا بين فرضين نؤمن بهما هاهنا، وهما سؤال الديموقراطية، أي النظر في شكلها وأسسها وآفاقها وحدودها، ثم النظر في مفهوم الدولة.

في ظل النظام العالمي القائم، أضحت الدولة شبه منعدمة وغائبة وضعيفة أمام السلطة الاقتصادية، وجائحة كورونا أعادت للدولة هيبتها واعتبارها، حتى أن الشعوب بعوامها اتضح لهما دورها وأهميتها.

لنعد إلى الصين. إن ما جعلها تسيطر على الوباء أكثر من غيرها راجع في حقيقة الأمر، إلى طبيعة نظامها السياسي الذي يدبر المجتمع بشكل صارم وشمولي، بعيدا عن الأسس الديموقراطية المتعارف عليها. قد تكون الصين أقوى من غيرها في عملية السيطرة على الوباء والتحكم فيه، مثلها في ذلك مثل مجموعة من الدول ذات النظام الصارم والمستبد، حتى أن بعضها أقل تطورا وتقدما منها بكثير، ومع ذلك استطاعت تدبير أزمتها بنوع من الفاعلية والحد من عدد الضحايا والإصابات. فهل يجعلها هذا أفضل هي الأخرى من الدول الديموقراطية الأكثر تقدما وتحضرا؟ الجواب طبعا لا، باعتبار أن إخفاق مثل هذه الدول بداية الأمر في التعامل مع الوباء، يعود إلى طبيعة نظمها السياسية القائمة على الديموقراطية، بحيث تحتاج عملية تنزيل القرار وفرض أساليب السيطرة والتحكم إلى نقاش واتفاق، ثم إلى تنزيل سلس ومرن يراعي ثقافة المجتمع وحقوقه وكرامته.

وبالتالي، فإن هذا يبدد الوقت وسرعة التحكم في الوباء، فضلا عن أن غياب الصرامة يعطي نوعا من الشعور بالاستهتار وعدم تقدير حجم الأمور. ولعل هذا ما حدث في هذه الدول. وعليه، يكون تعثر هؤلاء في البداية أمام تفوق الطرف الآخر، لا يعود إلى تميز أو إلى أفق مدبر، بل إلى طبيعة الثقافة وشكل النظام السياسي.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *