×
×

من اليمن، صفا ناصر تكتب: جارتي الصغيرة و”عفّاش“

قفز إلى ذهني مشهدٌ لم أعد أذكر أين رأيته، يصوّر مقاعد حديدية صفّت لصق الجدار، يجلس عليها أناس بوجوه ذاهلة وأيدي مكبّلة، شُقّت رؤوسهم إلى نصفين، وثمة رجل ينتزع أدمغتهم ويستبدلها بأدمغة بديلة تمت برمجتها في المعامل.

صفا ناصر، باحثة وصحفية من اليمن

”هل تعرفين من هو عبد ربه منصور هادي؟“. سألتني صديقتي الجديدة التي تقطن في الطابق السفلي من البناء الذي سكنته حديثًا.

أجبتها وأنا مستغرقة في قراءة كتاب بين يدي: ”من؟ آه نعم، تقصدين رئيسنا“.

من ركن عيني، رأيتها تهز رأسها معترضة: ”لا، رئيسك أنت، أنا رئيسي عفّاش“.

رفعت رأسي عن الكتاب. تأملتها… طفلة حلوة في نحو التاسعة من عمرها. عيناها بلون العسل، تحيط خصلات شعرها المتموّج بوجهها الأسمر.

قلت: ”هل تعلمين أن رئيسك مات؟“.

أطرقت برأسها في حزن: ”نعم، فليرحمه الله. كان طيبًا للغاية، لهذا قتلوه“.

خلال السنوات الأخيرة، سمعت الكثير في شرح الأسباب التي أفضت إلى قتل علي عبد الله صالح. لكن، هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها أن طيبته كانت السبب.

أغلقتُ الكتاب ووضعته جانبًا، من الجلّي أن هذه الصغيرة مسلّية أكثر.

–      ”قولي لي يا صغيرتي، هل يُعقل أن يحكمك إنسان ميت؟ أعني ….

لم أكمل. شعرتُ بسخف السؤال، تذكرتُ أن واقع الحال يدل على أنه من الجائز أن يحكمك ميت قُيّد اسمه عن طريق الخطأ في سجل الأحياء. يبدو أن الطفلة أدركت هذا أفضل مني، إذ هزت كتفيها باستهانة وقالت: ”لا يهم، حيًا أو ميتًا، سيظل رئيسي في كل الأحوال، رحمه الله“.

كانت تنطق عبارة ”رحمه الله“ بصوت خافت. يتكسّر صوتها عند الحديث عنه… حزنها صادق دون ريب، لكنه حزن مستعار، ترى من أعارها إياه؟

قلت: ”خبّريني يا حلوتي، لماذا تصفينه بأنه طيب؟“

قالت بحماس وهي تعد على أصابع يديها: “كان كل شيء رخيص الثمن في عهده، وفّر الرواتب و الكهرباء، الأمان يسود البلاد. هل تعلمين أنني كنت أخرج كما يحلو لي في أي ساعة من النهار، بل وحتى في الليل؟ أما الآن، فلا أكاد أخرج من البيت بسبب الخوف، وإذا خرجت تلفّتُ حولي في فزع.”

كانت تعدد مآثر الفقيد وذهني يقوم بسرعة يإنجاز عملية حسابية. إذا صح تقديري لعمرها، فقد وافق مولدها بداية الأحداث التي غادر الرجل الحكم على إثرها. أي عهد ذهبي شهدته إذن وتتحسّر على ضياعه؟

قلت: ”إن كان طيبًا كما تقولين، فلماذا طلب منه الناس أن يرحل؟“.

هتفتْ متعجّبة من جهلي، ”لا لا … أنت لم تفهمي حقيقة ما حصل. سأشرح لك، ”السعودية“ هي من حرّضت الناس“.

بنظرة فزع، شرعت تصف ليلة مقتله: ”ليلة فظيعة، كان أبي يصرخ كالمجنون، ضرب بيده آنية فخارية ثمينة فتحطمت على الأرض بصوت مدوّي“.

تهز رأسها في حسرة: ”خسارة، بكينا عليه كثيرًا. الحق أني لم أبك كثيرًا. لكن أبي بكى… أقفل على نفسه باب غرفته. رفض أن يقابل أحدًا… ولا حتى جدي. هل تتصورين هذا؟“.

–      ”أتصور يا عزيزتي. أتصور أكثر من هذا… أكملي“

–      ”خرج بعدها بأيام يحمل صورة ضخمة علّقها في أعلى الجدار. قال: هذا هو رئيسكم إلى الأبد“.

قفز إلى ذهني مشهدٌ لم أعد أذكر أين رأيته، يصوّر مقاعد حديدية صفّت لصق الجدار، يجلس عليها أناس بوجوه ذاهلة وأيدي مكبّلة، شُقّت رؤوسهم إلى نصفين، وثمة رجل ينتزع أدمغتهم ويستبدلها بأدمغة بديلة تمت برمجتها في المعامل.

– ”وأمك، ماذا قالت؟“.

– ”أمي تقول لنا دائما صدّقوا والدكم“.

– ”وما رأيك أنت؟“

– ”أصدقه… أبي ذكي يعرف كل شيء“ .

غاب صوتها خلف إحساس ثقيل غمرني بالأسى. أحزنني ما سيؤول إليه حال طفلة ستكبر وقد سلبوها دهشة اكتشاف الدروب. إن أحدًا لم يخبرها أنه ليس مهمًا إلى أين سينتهي بها الطريق، ما دامت اختارت السير فيه بإرادتها.

لن تجرب متعة أن يتأكّلها الشك وتتنازعها الحيرة، لن تشعر بلذة مسح اللوح الموروث، وإعادة كتابته بكلمات تخطّها على نسق أفكارها.

بدلا من ذلك، ستكبر وفي يقينها أن ”الغير“ هم من يملكون قيادها، وأنهم على الدوام أعلم منها بتقرير شؤونها.

ليس بوسعي إخبارها أنها مسيّجة بأغلال لن تراها، لكنها ستشعر بثقلها مع مر السنين؛ وإن قررت يومًا تحطيمها، ستصرف في ذلك سنوات طوال، وستدمي روحها، وسيبقى الأثر مدى العمر.

أعرف هذا جيدًا… هي الأغلال ذاتها التي طالما أدمتني.

منظر الشمس الغاربة زادني كآبة. أسمع صوت أمها يناديها من الأسفل… قبّلتني ونهضتْ راكضة تهم بالخروج. استوقفتها. ”بالمناسبة يا صغيرتي.. كم عمرك؟ أنت في التاسعة، ألستِ كذلك؟“

استدارت ناحيتي ويدها لا تزال على مقبض الباب: ”لا .. أنا في الثامنة“.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *