×
×

خوان مانويل دي برادا… “المهابل”، كتاب الضجة

عبدالله الساورة، كاتب مغربي

صعد خوان مانويل دي برادا (باراكالدو / بيسكايا  / اسبانيا /دجنبر 1970) إلى الشهرة في العالم الأدبي من خلال النسخة السرية تقريبا من عمله ” المهابل” / “الفروج” (Coños).

تم تمرير النسخ القليلة من يد إلى يد حتى أعادت فالديمار إصدارها بشكل كبير.

من هناك، بدأت رحلة الكاتب والشهرة معا بكتاب وحيد خلق الضجة. كان صعود المؤلف صاروخيا بحيث لا يمكن إيقافه، حتى تم إعلانه الفائز بجائزة Planeta في عام 1997 مع رواية “العاصفة”.

لم يكن عمره  أنذاك 27 عاما بعد. بعيدا عن صورة المؤلف الشاب والبوهيمي المتمرد، كان دي برادا ينمو بعناية مثل شجرة خروب في غابة موحشة، بحيث يبدو أنه يظهر بمظهر الموظف في مكتب رسمي. لم يكن صديقًا للتباهي. بملامح عادية من حياة صحافي، يكتب عمودا  يظهر فيه الكثير من كاثوليكيته وإيديولوجيته في آخر الصفحة من صحيفة “الباييس”.

خرج كتاب “المهابل” ليلا من الأيادي… لا هو بالرواية ولا بالقصة. صعب التصنيف… وخرجت معه الشهرة… وخرج معه كاتب بخيال جامح.

في نظر الكاتب، “الرواية بناء  من الخيال”… ينحدر الكاتب من مدرسة الكاتب الأورغواي فيليسبرتو هيرنانديز وبورخيس وكورتازار  وهنري جيمس وإدغار آلان بو… وهي مدرسة الخيال الجامح والأشباح، وهي التي منحته رغبة قوية في كتابة قصص الرعب والخيال.

يقول: “أنا معجب كثيرًا بتلك الأفلام التي تمنحك قلقا وقلقا من الطراز القديم. يحدث نفس الشيء مع الإثارة الجنسية… نحن نعيش تحت تأثير المواد الإباحية، وهي لعبة خطيرة جدا لأن المواد الإباحية تقتل الروح. أعتقد أن عدم قدرة الإنسان المعاصر على الحب والمحبة له علاقة بالاشباع من المواد الإباحية”.

بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يفهمون أن الأدب والمرح لا ينبغي أن يكونا على خلاف، فقد كتب مانويل دي برادا هذا الكتاب… وهو قطعة غير عادية في مشهد النشر الأدبي الايروتكي، دون أدنى شك. كتاب يعزز الالتصاقات الشرسة لفهم المرأة والتعلق بها والانفجارات الحميمية التي لا تقل شراسة عن ذلك.

بين السرد الغنائي وقصيدة النثر، بين الهراء والرقة، بين الكتابة التلقائية وصياغة اللغة، فإن “كونيوس” تكريم للمرأة والأدب، الذي يطمح إلى الاحتفال العرضي بجسد الأنثى.. إلى التأليه المهووس للمرأة بالكلمات. ويظهر للقارئ أن التنوع ليس سوى طريقا واحدا نحو الوحدة الحميمة للمرأة. يكثف خوان مانويل دي برادا من الأنواع الأدبية و يمزج بشكل هزلي الجزء الغنائي مع الذكريات الملفقة، ونثر النسب الكلاسيكي مع روافد الفكاهة  السوداء الطليعية.

يقدم الكاتب بأسلوبه الخاص  الكثير من الاستعارات، وهو كتاب يمكن أن يُنسب إلى جنس جديد يمزج بين القصة والرواية بأكثر من زاوية.

كاتب يدخلك بكل حواسك كما  يحدث مع السكارى وهو يدخلون الحانات… إنه يقلب شخصيانه ويعجنها بمداد من الخمر المعتق  بأسلوب حميمي متموج يغوص بعيدا  في الذات والشخصيات بدءا من رواية “أقنعة البطل” (1996)،  “العاصفة” (1997)، “زوايا الهواء” (2000)، “الحياة المرئية” (2003) التي فازت  بجائزة السرد الوطنية، “الحجاب السابع” (2007)، “سيجدني الموت” (2012)، “مت تحت سمائك” (2014)،”قلعة الماس” (2015)، حتى رواية  “شحرور أبيض، بجعة سوداء” (2016)….

“كونيوس” لخوان مانويل دي برادا عمل كتب في عام 1994 و “يشكل تكريمًا للمرأة والأدب” (المهابل، ص 1). على الرغم من أن العنوان يقودنا إلى فكرة أننا نواجه كتابًا إباحيًا بالمعنى الحرفي للكلمة، إلا أن الحقيقة مختلفة. صحيح أن هناك مقاطع من الإثارة الجنسية والحسية، لكن لا يوجد جنس فظ أو إباحي. يصف كل فصل المرأة والجنس بالحب والحنان بطريقة مجازية مختلفة.

ينقسم الكتاب إلى 54 فصلا. العناوين موحية.. كل فصل مكتوب بطريقة موحدة ومجزأة… كل قصة بصفحاتها دون تطور خطي. وبالتالي، يمكن قراءة الكتاب بدءًا من أي فصل، وهي ميزة مبتكرة وأصلية في عمل ما بعد الحداثة.

يتم تقديم كلمة “مهابل”  كمرادف للمرأة. ويقدم كل فصل التشريح الأنثوي بطريقة مختلفة… نموذج لامرأة مختلفة تنتمي إلى طبقات وفئات اجتماعية مختلفة. في بعض الأحيان، تتم الإشارة إلى الأدب الإيروتيكي التقليدي.

ايحاءات عن أناس حقيقيين:

أثناء السرد، يمكنك رؤية إشارات لأشخاص حقيقيين من خلال شخصيات مثل هنري ميلر أو فيدل كاسترو. في فصل “تفنيد هنري ميلر”، يصف ميلر بأنه “سيد الفظاظة  والكاتب الجامح  واللعين بلا نوم” (ص 40). من المحتمل أن المؤلف كان مصدر إلهام لكتابة هذا الفصل من حياة وعمل ميلر.

تظهر الإشارة إلى فيدل كاسترو في فصل “مهابل كوبا”. الراوي هو صديق لفيدل كاسترو. يقول: “أسافر إلى كوبا مرة في السنة لأدخن سيجارتي الجيدة مع فيدل كاسترو وأقول له نكتة طازجة”. (ص 42).

“مهبل صحبتي”:

في فصل “مهبل صحبتي”، يصبح الراوي كاتبا ويعترف بأن مهبل عشيقته  “كان بمثابة ذريعة أو عذر أو إلهام لمهابل خيالية أخرى” (ص43). ثم يضيف أنه أثناء كتابته، كانت عشيقته تراقبه من بين الازارات/ السابانات دون شكوى  وتقول له إنه أفضل كاتب في إسبانيا.

“مهبل ميلوسينا”:

يقدم فصل “مهبل ميلوسينا” قصة كوميدية وروح الدعابة، حيث يقول الراوي إنه التقط حورية البحر التي “على عكس النساء الأخريات، لديها مهبلان”. (ص 44)

في البداية، من المحتمل أن يصف القارئ العمل بشكل مختلف. لكن، في النهاية، يمكنه أن يلاحظ، كما يؤكد لويس كاردا جامبرينا في المقدمة، أن الكتاب “ليس مكتوبًا للرجال فقط. كما أنه ليس […] مرآة للمرأة.. ليس دليلاً للتربية الجنسية […] »( ص2). لكنه كتاب للتذوق ببطء أو الاستمتاع أو الضحك.

المهابل هو عمل أصلي رائد. خوان مانويل دي برادا يسلط الضوء على العديد من خصائص ما بعد الحداثة. لدينا إشارات إلى رواية الكاتبة ليزاما ليما، وكتب غوستافو أدولفو بيككير وباربارا وود، وفيلم “ارتدت الشريط الأصفر ” وشكسبير، وبروست، وسمفونيات بيتهوفن… إلخ.

تظهر فصول السيرة الذاتية أيضًا حيث يشير الراوي إلى نفسه ويعلق على ما يكتبه، قائلاً إن كتابه هو “الكتالوج الحقيقي الوحيد الذي كتب حتى الآن عن هذا الموضوع” (ص 30).

يمكننا أن نستنتج أن الكتاب الذي  بيعت منه الملايين من النسخ وترجم  للغات كثيرة باستثناء اللغة العربية، يقدم أسلوبًا فريدا ومجزءا بلغة جنسية صريحة تماما وكلمات متقنة، ولكن أيضا بلغة عامية، وكلها متحدة في ” قاموس المهابل” بشكل طليعي.

في الختام، تصلح كلمة  كونيوس  بصيغة الجمع في اللغة  الاسبانية أن نتداولها  في اللغة العربية على وزن مهابل وفروج… تفي  بإيصال المعنى كما في كتاب المؤلف.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *