×
×

كوثر بوبكار تكتب: حين أخبرتنا كورونا… أن الوطن ممكن!

ستمر هذه الأزمة، ونتمنى أن يكون الأمر بأقل الخسائر…
… نريدها أن تترك لنا فخرا، أننا تغلبنا عليها بالوحدة ونكران الذات، وكثير من التسامح والإنسانية، نعتمد عليها لاحقا، في بناء غد أفضل، يضمن الحقوق وكرامة العيش لكل المواطنين. 

كوثر بوبكار: مهندسة دولة في الاتصالات، من أبرز الباحثين في التطوير في مجال النانوتكنولوحيا

عرت جائحة كورونا عن سلبيات كثيرة، وكشفت النقاب عن أزمة الثقة الكبيرة لدى البعض، في العلم والمؤسسات والخطابات الرسمية، حيث ظهرت بسرعة خطابات موازية لها تشكك في مصداقيتها، اعتمادًا على نظريات المؤامرة أو على بعض الأفكار المتداولة باسم العلم والتي… لا تمت له بصلة.

… ليس غريبًا في عالم، كان يعاني فيه جزء كبير من المجتمعات، من نتائج نيوليبرالية متوحشة، وتصاعد صارخ للخطابات الشعبوية، أن يكون رد فعل البعض… هو تبني موقف الاحتراز من كل ما تدلي به المؤسسات الرسمية، والبحث عن أطروحات تحاول إيجاد إجابات لــ… من صنع هذا الوباء للاستفادة منه، أكثر منها لكيف نتعامل مع الوضع ببراغماتية وكيف نستخلص الدروس اللازمة من هذه المرحلة التاريخية.

إن الطبيعة البشرية تميل غالبا لإيجاد تبريرات لما يحدث، فالإنسان لا يطيق الإحساس بعدم القدرة على السيطرة على الأحداث، أو أن يترك مستقبله… رهين الاحتمالات.

الفوضى التي يحدثها هذا الإحساس، ترعب الأشخاص والأسواق والمؤسسات، نحن نريد أن نسيطر على الأمور، أن نستبقها ونستقرئها… كي نتسلح لمواجهتها. وكورونا اليوم، تظهر لنا نظرية الفراشة في أحلى تجلياتها.

لكن… العقل يميل أكثر إلى تحكيم السببية بمفهومها الضيق، منه إلى نظرية الفوضى، لأن التفكير مُكلِّف، والوقوف مع الذات بصدق ونقدها، يتطلب كثيرا من الإرادة والحكمة ونفض الغبار عن العقل ومراجعة الذات… لتحمل جزء من المسؤولية الفردية المحتملة.

فليس غريبًا إذن… أن نجد كل فئة تبرر الأمر بما يناسبها، بعيدا عن تعقيدات الاحتمالات الممكنة.

فهناك من يقول… هو عقاب إلهي، كاختزال ضمني أن الحل… هو العودة للإله والتوبة إليه، كي يزيل عنا الوباء.

… وهناك من يقول إنه صنع في أمريكا للإضرار بالصين، ومن يقول إن الصين صنعته للسيطرة على العالم، في محاولة لرمي كل المسؤولية، على قوى رأسمالية تتصارع من أجل مصالحها لكسب القوة والمال، وإعفاء النفس من مجهود التفكير لإيجاد مخرج للوضع، بالإحالة على أن العلاج… متواجد لدى هذه الدول العظمى، وستخرجه في الآن المناسب.

وهناك… من وصل حد إيجاد رقم براءة اختراع للفيروس، قال إنه سجل في فرنسا، في اتهام لمختبرات البحث العلمي في مجالات الطب والصيدلة، وفي تغييب للعقل النقدي، القادر عبر بحث بسيط، أن يعرف أن براءة الاختراع المسجلة هذه… لا علاقة لها بفيروس كوفيد-19.

الخوف وغريزة الحياة… جعلت بعض المتعلمين، على مستويات عليا للأسف، مستعدين بدورهم، لأن يثقوا في خطابات المهرجين أكثر من الخطابات الرسمية أو خطابات العقل، وهذا من باب الانصاف، ليس حكرًا فقط على أطر مغربية، بل هو حال كل من لم يستعمل تكوينه العالي لاكتساب عقل نقدي، يستحضره في كل الأمور ويتغلب به على أثر العاطفة وانجراف الأيديولوجية.

الخوف عاطفة رهيبة، تعمي عيوننا، تؤثر على عقلنا وتفكيرنا، وتنسينا أحيانا… أن نرى جوانب هامة من الأمور، وخاصة الجانب المشرق منها.

وإن كان هناك جانب إيجابي رئيسي لهذه الأزمة بالنسبة لي، فهو… الوقوف على ضرورة البناء لعقل نقدي فردي وجماعي، وعلى خطورة غيابه.

فيروس كورونا أظهر لنا، أن الجهل الذي ينخر جزء من المجتمع، قنبلة موقوتة قد تنفجر وتأتي على الأخضر واليابس، إن لم نحاربها معا… بجدية ونكران ذات.

وكي نكون إيجابيين، فبغض النظر عن الاستهتار بتعليمات الدولة من طرف الجاهلين، ونزوع البعض لاحتكار السلع والمضاربة غير القانونية في الاسعار، فقد ظهرت في المغرب أيضا، مبادرات تلقائية كثيرة ومليئة بروح الإنسانية والتضامن ونكران الذات… تبعت على التفاؤل.

…أصبحنا نرى تبرعات لصندوق تدبير الجائحة، ومبادرات للتعليم عن بعد، وأناس تتجمع للتكفل بأسر معوزة، وأشخاص يتطوعون لتقديم أشكال عديدة من المساعدة…

… وتعالت أصوات تحيي صرامة تعامل السلطات مع الخطابات الجاهلة التي انتشرت، وعبأ الكثيرون أنفسهم للتوعية والتدريس عن بعد واقتراح أشكال مختلفة من المساعدة الثقافية… خارج الإطارات الاعتيادية.

كل هذا… يحمل بريق أمل في أن يتحد الجميع، للمساهمة في نشر عقل نقدي فعال للفرد والمجتمع.

تتجاوز الدول أزماتها، بالارتكاز على ما يوحدها… على المشترك بين مواطنيها.

نحن نعيش لحظة تاريخية، جمَّعت كل القوى في روح مواطنة، تبعت كثيرا من الأمل، وضعت فيها الخلافات جانبا، وعاد المغاربة لما يوحدهم، هذه الارض والوطن والدولة التي… تسع الجميع.

ستمر هذه الأزمة، ونتمنى أن يكون الأمر بأقل الخسائر…

… نريدها أن تترك لنا فخرا، أننا تغلبنا عليها بالوحدة ونكران الذات، وكثير من التسامح والإنسانية، نعتمد عليها لاحقا، في بناء غد أفضل، يضمن الحقوق وكرامة العيش لكل المواطنين.

ما لا يقتلنا يجعلنا أقوى- نيتشه

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *