×
×

إدوارد سعيد: أشحذ أصوات القضية الفلسطينية… المثقف الذي فك أزرار الاستشراق!

كان إدوارد سعيد خبرا غير عادي في تاريخ فلسطين… عاش أمريكيا بعيدا عن أصوات الرصاص والقنابل. لكنه عاش في بعده انشطار الذات والهوية، يؤرقه هم قضية الوطن التي كان أحد أبرز من شحذوا أصواتهم لها، وهم الشرق الذي وضع به الغرب، على مدى مؤلفات عديدة، عاريا أمام نوازعه السياسية.

إدوارد سعيد

رأى إدوارد سعيد النور في كنف عائلة مسيحية بالقدس، في فاتح نونبر/تشرين الثاني 1935… هناك عاش طفولتَه نحو 13 عاما، لم تُحمّلْ حياتَه سوى ذكريات قاسية حزينة، قد لا تكون أشدها نكبة 1948، التي حملت العائلة إلى مصر.

وكأن ذلك لم يكفه… والده، الفلسطيني الذي كان يخدم في الجيش الأمريكي، كان قاسيا… في القاهرة، درس إدوارد في مدارس عدة، يحمل جنسية أبيه الأمريكية. لكنه، ورغم تفوقه الدراسي، سرعان ما انعكست قسوة أبيه عليه.

كان إدوارد فتى نزقا مشاغبا، يتفنن في مضايقة أساتذته… ظل كذلك حتى تلقى يوما قرارا بطرده من المدرسة، وضع نقطة انتهاء لرحلة خراب النفس هذه في القاهرة.

اضطر والده والحال هذه، أن يرسله إلى الولايات المتحدة ليتابع دراسته هناك…

 عاين عام 1967 النكسة، وبعد عامين حل بالأردن، حيث شهد عام 1970 أحداث أيلول الأسود، التي أوقدت شعوره حياله القضية الفلسطينية وجعلته يتعاطف مع المقاومة.

رغم شعور المنفى الذي ينخر روحه منذ المهد، وابتعاده عن أمه، كانت نيويورك أولى الصفحات إشراقا في حياة إدوارد، ففيها تلمس خطوته الأولى نحو التحرر…

أو كما يقول في مذكراته: “إن عدم اكتراث أحد بوجودي منحني شعورا غريبا… بالتحرر لأول مرة في حياتي”.

اقرأ أيضا: غسان كنفاني… زغرودة فلسطين التي لا تموت!

حل إدوارد بالولايات المتحدة عام 1951. أتم دراسته الثانوية، ثم التحق بجامعة برنستون حيث أجيز في الأدب الإنجليزي والتاريخ عام 1957، قبل أن ينهي مشواره الجامعي في جامعة هارفارد عام 1964، حيث نال الدكتوراه في الأدب المقارن.

… وراح بعد ذلك إلى جامعة “كولومبيا”، حيث ظل يُدرّس الأدب الإنجليزي والأدب المقارن إلى أن وافته المنية.

حياة إدوارد الجديدة هذه لم تأخذه تماما من قضيته الأم، فلسطين، فقد عاين عام 1967 النكسة، وبعد عامين حل بالأردن، حيث شهد عام 1970 أحداث أيلول الأسود، التي أوقدت شعوره حياله القضية الفلسطينية وجعلته يتعاطف مع المقاومة.

بعدها، غادر إلى بيروت حيث درس اللغة العربية والتراث العربي، وأيضا تزوج من لبنانية… حين عاين ثانية حرب أكتوبر 1973، انتبه بالملموس هذه المرة، إلى فارق فادح بين ما يجري حقا وما يصوره الغرب في إعلامه.

كل هذا ظل يختمر في تفكير إدوارد سعيد، حتى ولد على إثره، عام 1978، أشهر مؤلفاته: “الاستشراق”.

اقرأ أيضا: ماذا تعرف عن الاستشراق؟ الوجه الآخر للغزو الغربي للشرق… 1\2

مؤلفه هذا أثار جدلا واسعا في الأوساط العلمية والأكاديمية، على نحو قدم إدوارد سعيد إلى العالم…

مؤلفات إدوارد سعيد تجاوزت العشرين، ترجمت إلى أزيد من 20 لغة، من بينها، سيرة ذاتية بعنوان “خارج المكان”، ومؤلفَيْن في الموسيقى… كان إدوارد، بالمناسبة، عازفا بارعا على البيانو.

باختصار، خلخل الكتاب نظرة الغرب إلى الشرق، وهدم صورته النمطية التي رسمها المستشرقون على دراسات ومفاهيم قامت على أسس غير علمية.

إدوارد ربط الدراسات الغربية حول الشرق بنوازع الغرب السياسية، على نحو يشكل مذهبا فكريا يحمل خلفية سياسية، تنتج صورة عن الشرق تهدف إلى تسلط استعماري.

كل هذا، وفق إدوارد سعيد، كان يشكل الوعي الغربي، الذي صار يحمل انطباعا سيئا عن الشرق مليئا بالتعصب نحو العرب والمسلمين.

“أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية”…

في درب معركته هذه، لم يكن “الاستشراق” كتابه الأوحد، إنما أعقبه بمؤلفات أخرى في ذات المنحى، مثل “تغطية الإسلام: كيف تحدد وسائل الإعلام والخبراء الطريقة التي نرى بها العالم”، “مسألة فلسطين”، “الثقافة والإمبريالية”.

مؤلفات إدوارد سعيد تجاوزت العشرين، ترجمت إلى أزيد من 20 لغة، من بينها، سيرة ذاتية بعنوان “خارج المكان”، ومؤلفَيْن في الموسيقى… كان إدوارد، بالمناسبة، عازفا بارعا على البيانو.

هذا إضافة إلى دراسات ومقالات كان ينشرها دوريا في صحف ومجلات عالمية مرموقة، حول قضايا عدة، ثقافية، أدبية، وسياسية… أبرزها القضية الفلسطينية.

اقرأ أيضا: من مصر، محمد حميدة يكتب: صفقة أم صفعة!؟

على ذكر فلسطين، انتسب إدوارد سعيد، عضوا مستقلا، إلى المجلس الوطني الفلسطيني لـ14 عاما، قبل أن يستقيل منه عام 1991، لمعارضته مواقف الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

دائما ما كانت تصله وأفراد عائلته تهديدات بالقتل، كما وأطلق عليه بعض الإعلام الإسرائيلي لقب “بروفيسور الإرهاب”.

إدوارد عارض اتفاقيات أسلو واعتبرها صفقة خاسرة للفلسطينيين، وكان يوجه نقده علنا لعرفات والسلطات الفلسطينية، حتى إن كتبه منعت في فلسطين، قبل أن يرفع الحظر عنها عام 2000 بعدما مدح عرفات علانية.

… لا نال إدوارد سعيد ثناء أبناء جلدته، ولا رضى أعدائهم! دائما ما كانت تصله وأفراد عائلته تهديدات بالقتل، كما وأطلق عليه بعض الإعلام الإسرائيلي لقب “بروفيسور الإرهاب”.

رأى إدوارد النور بفضل قابلة يهودية، وكان يتلقى علاجه آخر حياته في مستشفى يهودي، وكان له أصدقاء يهود… ولم يشفع له ذلك، حين قامت رابطة يهودية عنصرية بإحراق مكتبه في الجامعة عام 1991.

بالمقابل، حين أراد زيارة مخيم شتيلا، رفعت إحدى المنظمات الفلسطينية في وجهه “لا أهلا ولا سهلا”؛ لأنه دعا فيما سبق إلى قيام دولة ثنائية القومية في فلسطين.

رغم ذلك، يظل إدوارد واحدا من أهم من دافعوا عن القضية، أو كما وصفه الصحفي البريطاني روبرت فيسك: “أكثر صوت فعال في الدفاع عن القضية الفلسطينية”.

اقرأ أيضا: إدمون عمران المالح… المغربي اليهودي الذي اتخذ الكتابة سلاحا لفضح الصهيونية!

لكن… كان على إدوارد سعيد، ابتداء من عام 1991، أن يسلك درب مقاومة آخر تماما، حين شخص مرضه بسرطان الدم…

ليقاوم مرضه، الذي سينال منه يوما بعد آخر، كان عليه أن يكتب أكثر من أي وقت مضى، وأن يحاضر ويسافر أكثر من أي وقت مضى، علّ الموت يمهله ليدافع أكثر عن القضية وأفكاره النظرية.

إدوارد عارض اتفاقيات أسلو واعتبرها صفقة خاسرة للفلسطينيين، وكان يوجه نقده علنا لعرفات والسلطات الفلسطينية، حتى إن كتبه منعت في فلسطين، قبل أن يرفع الحظر عنها عام 2000 بعدما مدح عرفات علانية.

دام ذلك لأزيد من 10 سنوات، ثم، في الـ25 من شتنبر/أيلول 2003، ترجل عن صهوة الحياة في نيويورك.

ترجل بعدما كُرّم عشرات المرات نظير مساره، ونال عضوية مؤسسات مرموقة عديدة كالأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، كما حصل على جوائز عديدة، منها جائزة بودين من هارفارد، وجائزة سبينوزا وجائزة أمير أستورياس.

اقرأ أيضا: من فلسطين، عامر أبو شباب يكتب: المرأة الفلسطينية .. وجع مختلف ومعاناة متجددة

ترجل وأوصى بأن يحرق جثمانه، الذي نقل لاحقا إلى لبنان في قارورة صغيرة توجد في مقبرة برمانا الأنجليكانية، حيث يرقد اليوم رمادا في منفاه الأخير…

هناك حيث لم ينحن في وجه الموت؛ ففكره ما زال “يلعن مستشرقا يرشد الجنرال إلى نقطة الضعف في قلب شرقية[1]“!


[1]  عن قصيدة محمود درويش، “طباق”، التي يرثي فيها إدوارد سعيد.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *