×
×

في الذكرى الـ47 لاغتياله: غسان كنفاني… زغرودة فلسطين التي لا تموت!

“كان مقاتلا والقتال يحتمل الموت، وكان لاجئا والعودة تحتمل الموت، وكان ملتزما والالتزام يفترض لقاء الموت”…

“في الزمان، يولد غسان كنفاني كلما جاء صيف. غسان كنفاني يأتي في هجير الصيف، ينفجر في بيروت، يتشظى مثل أوزيرس ويوزع الأشلاء على كل مكان في الذاكرة والضمير”…

هكذا تحدث الكاتب الفلسطيني، عزت العزاوي، يرسم أبعاد حياة صارت بعد اغتيالها… حياة أكثر!

حياة عاشها رجل اسمه غسان كنفاني، استنفدها على قصرها، وجعل منها أسطورة تولد اليوم في مسامات جلد كل فلسطيني، جاء إلى هذا العالم، فضاق عليه بما رحب…

في الذكرى الـ47 لاغتياله، نستعيد ضمن هذا البورتريه أبرز محطات حياة المثقف والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني.

غسان كنفاني

رأى غسان كنفاني النور في الـ9 من أبريل/نيسان 1936، في مدينة عكا، شمال فلسطين المحتلة. كان والده يعمل محاميا، قرر بعد ولادة ابنه أن ينتقل للعيش في يافا، حيث درس غسان في مدرسة تدعى “الفرير”.

في ربيعه الـ12، حمل غسان طفولة ملأى بالخيبة، ونزح مع عائلته سيرا إلى مخيمات نصبت في لبنان، قبل أن يستقر بهم المقام في دمشق بسوريا…

عاش غسان كنفاني نكبة 1948 بشتى تفاصيلها، فطبعت ذاكرته بوقائعها القاسية. لكنها، مع ذلك، اختطت لحياته مسارا، جعله لاحقا أحد أشهر أدباء المقاومة في العالم…

اقرأ أيضا: العيد والحرب: كيف حولت رغبة الإنسان في التجديد، العالمَ، من الفرح إلى الدمار؟ 2/1

في سوريا، تشربت طفولة كنفاني المرارة، إذ اضطر إلى العمل موزع صحف وعاملا في مطعم ليضمن قوت أسرته، قبل أن تنفرج حياتها بعدما فتح والده مكتبا للمحاماة هناك.

مع ذلك، واصل دراسته حتى نال الشهادة الثانوية عام 1952، والتحق بالجامعة حيث درس الأدب العربي، واشتغل بالموازاة مدرسا لفائدة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين.

لدى قراءة كنفاني، يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش، “نكتشف، أولا ودائما، أنه في عمق وعيه، كان يدرك أن الثقافة أصل من عدة أصول للسياسة، وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي”.

ولع غسان بالأدب انفجر حين سافر إلى الكويت، نهايات 1955، ليشتغل مدرسا هناك إسوة بشقيقته وشقيقه… هناك أقبل على القراءة بنهم شحن حياته بدفقة معرفية لا تصدق، إذ لا يذكر، يقول غسان، أنه مر يوم نام فيه دون أن يقرأ ما لا يقل عن ستمائة صفحة.

الواقع أن والد كنفاني لم تكن تغريه عُلا الوظائف، وكان يمني النفس بأن يصبح ابنه تاجرا. بيد أن الأخير استهواه الأدب باكرا، على نحو لم يجد معه الوالد بدا من تشجيعه… هكذا، في ربيعه الـ19، كان قد كتب قصته القصيرة الأولى (القميص المسروق).

في الكويت، كان كنفاني يكتب مقالات سياسية في إحدى الصحف بتوقيع “أبو العز”، لفتت الانتباه إلى أسلوبها، وإلى مستقبل شاهق ينتظر من يقف وراءها.

اقرأ أيضا: في الذكرى الـ21 لرحيله: نزار قباني… الشّاعرُ الذي هَدّتْ قصَائدهُ طابوهات القيّم العربيّة!

لكن، بحلول عام 1960، كان كنفاني قد انخرط في حركة القوميين العرب، فعاد إلى بيروت، حيث استقر واشتغل في صحيفة “الحرية” التابعة للحركة… مقالاته، حينها، أكدت أنه صحافي ومفكر سيكون له بالغ الأثر في التعريف بالقضية الفلسطينية وإشاعة الحماس حيال شرعيتها.

كانت بيروت، يومها، من بين عواصم الثقافة والأدب العربية، ما أتاح لغسان لقاء تيارات فكرية وسياسية عدة أنضجت تجربته الأدبية والنضالية…

أتاحت له أيضا سفرا إلى يوغوسلافيا، عام 1961، ليشارك في وفد فلسطيني بمؤتمر طلابي، تعرف فيه على فتاة دانماركية، غير حياتها رأسا على عقب، إذ أثار اهتمامها بالقضية الفلسطينية، لتنتهي بهما الحكاية… زوجين.

مع زوجته آني

بزواجه، انتظمت حياته وتحسنت صحته، بعدما كانت مضاعفات السكري ضيفا ثقيل الظل عليه، إذ لا ينضبط لمواعيد الأكل… كان كنفاني كتلة طاقة قل نظيرها، يفرغها على مدى أكثر من عشر ساعات يوميا في الكتابة.

كتابات في الرواية، وفي القصة، والنقد الأدبي، ناهزت الـ18 دون ما تركه إرثا غير مكتمل؛ ناهيك عن مقالاته مدوية التأثير، التي كان يكتبها حينا باسمه، وحينا آخر باسم “فارس فارس”…

كتابات تحولت بمرور الزمن، إلى رغيف يومي يقتات عليه الفلسطينيون ويشحذ هممهم نحو الحرية.

يقول الصحافي الفلسطيني، نجوان درويش، “تبرز مكانة غسان كنفاني في كونه السارد الفلسطيني لمرحلة التهجير واللجوء، وتشكل سؤال المقاومة الفلسطينية الذي تجاوز خطاب التفجع والبكاء وانتظار الإغاثة”.

اقرأ أيضا: من مصر، محمد حميدة يكتب: صفقة أم صفعة!؟

ولأن القضية كانت كل روحه… كان كنفاني عضوا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مناضلا بارزا، لا يلتزم بالعمل الحزبي، لكن يحظى بدور سياسي لم يُغن عنه، إذ أسهم في وضع الإستراتيجية السياسية للجبهة، وفي صياغة بيانها التأسيسي الذي شدد على أهمية الكفاح المسلح.

لدى قراءة كنفاني، يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش، “نكتشف، أولا ودائما، أنه في عمق وعيه، كان يدرك أن الثقافة أصل من عدة أصول للسياسة، وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي”.

“غسان كنفاني كان مقاتلا والقتال يحتمل الموت، وكان لاجئا والعودة تحتمل الموت، وكان ملتزما والالتزام يفترض لقاء الموت”… هكذا يلخص ببساطة الكاتب الفلسطيني، مهند عبد الحميد، حياة غسان كنفاني.

والتقى الموت على خط تماس خفي، في الـ8 من يوليوز/تموز 1972، ببيروت…

يوما قبل الموعد، زرع عدد من عملاء الموساد (المخابرات الإسرائيلية) عبوات ناسفة بسيارته، في مرآب العمارة التي يقطنها… ثم في صباح اليوم التالي، نزل من شقته قرير الروح يلاعب ابنة شقيقته، حتى صعدا السيارة…

بإدارة كنفاني لمفتاح التشغيل، وقّعت إسرائيل على نهاية حياته، ونهاية حياة طفلة بريئة.

اقرأ أيضا: سعيدة المنبهي… ثورية لم يقتلها الموت 2/1

وإن أنهت حياته، فأسطورة “غسان كنفاني” حية… إلى اليوم تولد في جينات كل فلسطيني!

حياة، تقدم كثيرا من دروس المقاومة والنضال من أجل حرية شعب…

وتقدم بعض الدرس، لكثير من أشباه مثقفين، يفتعلون اللغو بلا قضية ولا حرية… بلا هدف خارج فتات الموائد وطعم المال… وبعض من جوائز وأضواء إعلام آت من زمن البداوة الأول.

مات غسان ليعيش… وعاش غيره ميتا.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *