×
×

رحلة بني ملال: خيبة أمل ونجاة (10/12)الجزء العاشر

في رحلة جمعت بين الخطر والأمل والخيبة واليأس والمطاردات، واصل المقاتلون طريقهم صوب بني ملال. هناك حيث ستبدأ رحلة أخرى

توقفنا في الجزء التاسع من هذا الملف، عند وصول النجار ومن معه إلى تنغير.

في هذا الجزء العاشر، نقتفي أثر الرحلة التي خاضها القاضي والنجار وسيدي حمو إلى أن اجتمعوا ببني ملال، ومن ثم رحلة العودة إلى الجزائر.

استمر سيدي حمو ومن معه من بقايا مجموعة تنغير في السير على أقدامهم، في رحلة دامت حوالي الشهر في جبال مكسوة بالثلج، وفي تضاريس تونفيت.

من بعيد، بدت لهم القوات النظامية وهي تتقدم صوبهم. مروحيات تحلق فوق رؤوسهم، وثمان عشرة شاحنة ممتلئة بجنود الجيش تطوق المكان، إضافة لرجال القوات المساعدة والقوات الخاصة التابعة للدرك الملكي، مؤازرين بمن تم تجييشهم من “الحياحة”.

فوق أحد الجبال، حاصرت القوات النظامية المجموعة. كان الرصاص سيد الموقف، وبدت الكفة تميل لصالح النظام. لكن سيدي حمو ومن معه خلقوا فجوة في هجوم القوات النظامية لينسلوا إلى الوراء.

في غمرة فوضى الرصاص، تاه المالكي من المجموعة، فيما واصل سيدي حمو والعثماني وبوزيان طريقهم التي قادتهم إلى نهر جوار تونفيت. تخندق سيدي حمو على ضفة النهر، بينما عبر بوزيان والعثماني اللذان، ما إن وصلا إلى منتصف النهر، حتى دوى صوت الرصاص من جديد منسابا من أسلحة أتوماتيكية، سلطت اتجاه الاثنين من طرف جنود مرابضين على الجهة الأخرى.

استغل سيدي حمو موقعه المحصن، وأطلق النار صوب الجنود، ليسقط أربعة منهم، فيما لاذ الآخرون بالفرار. بينما كان الجنود يفرون، حاول العثماني وبوزيان استغلال الوضع، وانطلقا إلى الجهة العليا من النهر. عبراه… لكن، وما إن تقدما قليلا، حتى وجدا نفسيهما محاصرين بعشرات الجنود. لم يترك التعب والجوع وسلاح الجنود المصوب نحو صدريهما للعثماني وبوزيان بدا من الاستسلام.

مما يروى عن مطاردات سيدي حمو أنه، ذات يوم، فتشت السلطة منزله، حيث عثروا على قطعتي خبز بجوار طاجين أعدته زوجته، التي كانت بمفردها داخل المنزل. اعتقدت السلطات أنها عثرت على صيدها الثمين ففتشت المنزل، لكن دون جدوى. أما زوجته، فأخبرتهم أنه كان بجوارها قبل أن يغادر متنكرا في هيئة قط أسود.

بعيدا عنهما، كان سيدي حمو يشق طريقه، حيث صادف مجموعة من البدو الرحل، أطعموه واستضافوه لأيام قبل أن يعثر على طريق رفيقه المالكي، فيلحق به.

إقرأ أيضا: سعيدة المنبهي: “تذكروني بفرح” 2/2

سيدي حمو… بركة الشريف الذي يصبح قطا

خلال هذه الفترة، أصبح سيدي حمو أبرز المطلوبين للقوات النظامية، إذ امتلأت البلاد بإعلانات البحث عنه، وكانت السلطات تفتش عنه في كل مكان، كما أصبح معارفه وذويه معرضين للإنزالات المفاجئة. لكن… لا أثر لسيدي حمو، لدرجة أصبح معها الشغل الشاغل للسلطات، وتكاثرت الشائعات التي جعلته من الشرفاء، وأصحاب الكرامات.

شائعات لعبت دورها في اختفاء سيدي حمو وحمايته، فكثيرون أصبحوا يخافون من لعنة الشريف وغضبه، ما جعل الواشين والمخبرين في حيرة، لا يعرفون لصاحب الكرامة طريقا.

مما يروى عن مطاردات سيدي حمو أنه، ذات يوم، فتشت السلطة منزله، حيث عثروا على قطعتي خبز بجوار طاجين أعدته زوجته، التي كانت بمفردها داخل المنزل. اعتقدت السلطات أنها عثرت على صيدها الثمين ففتشت المنزل، لكن دون جدوى. أما زوجته، فأخبرتهم أنه كان بجوارها قبل أن يغادر متنكرا في هيئة قط أسود.

ذاع الخبر، في نفس الوقت الذي كان فيه سيدي حمو يشق طريقه لاقتفاء أثر رفيقه المالكي. عندما عثر عليه، قررا المواصلة صوب بني ملال، حيث كانا يمشيان ليلا وينامان نهارا، مختبئين في الأضرحة المعزولة، يأكلان حشاش الأرض، خاصة “الفصة”.

رحلة القاضي

تاه القاضي في طريقه. كان يلتمس الأكل من الدواوير والمضيفين، الذين كانوا يستقبلونه بعدما يردد لازمة المغاربة “ضيف الله”. طور مهارة المراوغة والتمويه عن شخصيته الحقيقية، قبل أن يوقعه حظه عند فلاح أحسن وفادته، دعاه إلى وجبة طعام.

بمجرد الانتهاء من تناول الطعام، وجد القاضي نفسه في مواجهة مع “المقدم” مرفوقا بستة رجال. جالس القاضي الوافدين، شرب شاي الضيافة معهم، أمطروه بالأسئلة ولكنه… كان ثابتا في الجواب والتمويه عن حقيقته. بيد أن المقدم داخله الشك، فطلب منه المكوث في مكانه… إلى غاية التحري عنه.

تفرقت المجموعة من جديد صوب الأراضي الجزائرية، واعتقل المالكي، حيث بقي محتجزا عند القوات المساعدة أربعة أيام، قبل أن يطلقوا سراحه، بعدما فشلوا في التعرف عليه. لكن الأمر لم يطل… سيتم اعتقاله من جديد، وسيتم نقله إلى درب مولاي الشريف بالدارالبيضاء، حيث خضع للتعذيب.

عرض القاضي على المقدم أن يرافقهم إلى حيث يريدون، استجابوا له. غادروا منزل الفلاح، وما إن تقدموا بضع خطوات، حتى أشهر في وجههم مسدسه، سدده نحوهم، وبأمر واضح خاطبهم: “من لا يريد أن يموت فعليه أن يغادر المكان”. لاذ المقدم ومن معه بالفرار، بينما أكمل القاضي رحلته صوب بني ملال.

إقرأ أيضا: محمد الزرقطوني: رجل تجرع السم… ليحيا وطن! 2/1

بني ملال… التجمع… الخيبة

وصل القاضي إلى بني ملال، وقد سبقه سيدي حمو والمالكي. بعدهما بقليل، وصل النجار ورفيقه. اجتمع الكل في بني ملال، بعد أسابيع من التشرذم واليأس، ودبت شعلة الأمل الثوري من جديد في نفوسهم.

في تلك الفترة، كثرت الأقاويل على أن الفقيه البصري أرسل رجالا مسلحين ليدعموا آخرين مختبئين في الجبال ويشعلوا الثورة؛ في حين اجتمع سيدي حمو والنجار ومن معهما بالمسؤولين المحليين عن التنظيم، وطالبوهم بمساعدات مادية وبشرية لاستمرار شعلة الانتفاضة.

ماطلهم المسؤولون المحليون. مرت الأيام ولا شيء تحقق. كان الزمن يمر ثقيلا على نفوسهم ولا شيء يتغير، حينذاك أدرك المحاربون أن عليهم الرحيل عن البلاد.

في خضم ذلك، فعلت الوشاية فعلها، وبلغ أحد المخبرين عن سيدي حمو والنجار ومجموعتها، فطاردتهم السلطات من جديد.

تفرقت المجموعة من جديد صوب الأراضي الجزائرية، واعتقل المالكي، حيث بقي محتجزا عند القوات المساعدة أربعة أيام، قبل أن يطلقوا سراحه، بعدما فشلوا في التعرف عليه. لكن الأمر لم يطل… سيتم اعتقاله من جديد، وسيتم نقله إلى درب مولاي الشريف بالدارالبيضاء، حيث خضع للتعذيب.

استطاع سي إبراهيم والقاضي والنجار وسيدي حمو النجاة، والوصول إلى الجزائر، هناك حيث كانت تعتمل قصة أخرى. بعضهم، بقي في رحلة المنفى تلك عقودا قبل أن يرجعوا للمغرب.

في الجزء الـ 11، نتابع الوضع في الجزائر والخيارات التي كانت مطروحة أمام القيادة آنذاك.

 

تنويه:

غلاف كتاب :الثورة الموؤودة” للكاتب والمؤرخ محمد لومة، وهو أحد المراجع التي تم الاعتماد عليها لإنجاز هذا الملف

اعتمد في إنجاز حلقات هذا الملف على المصادر التالية:

–         كتاب “الثورة الموؤودة” لمحمد لومة.

–         كتاب “أبطال بلا مجد” للمهدي بنونة (نجل محمود بنونة).

–         كتاب “ثورة لم تكتمل” لمحمد التوزاني

–         تقارير المرفوعة لقيادة التنظيم السري من طرف الناجين من الاعتقال

o       تقرير سي إبراهيم

o       تقرير القاضي

o       تقرير النجار

–         العدد رقم 3 من جريدة الاختيار الثوري، مارس 1976

–         العدد رقم 14 من جريدة الاختيار الثوري، مارس 1977.

–         لقاءات شفوية مع كل من:

o       محمد التوزاني

o       بعض أهالي المختطفين والمعتقلين من مجموعة مولاي بوعزة والتنظيم السري المحلي بخنيفرة

 

لقراءة الجزء الأول: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين فيها: التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة بالمغرب (1/12)

لقراءة الجزء الثاني: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين فيها: في الطريق إلى انتفاضة 1973. خلافات رفاق السلاح (2/12)

لقراءة الجزء الثالث: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين في انتفاضة 1973: الطريق إلى السلاح (3/12) 

لقراءة الجزء الرابع: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين في انتفاضة 1973: أولى الرصاصات (4/12) 

لقراءة الجزء الخامس: معركة أملاكو ومقتل محمود بنونة (5/12) 

لقراءة الجزء السادس: التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: معركة السونتات (6/12) 

لقراءة الجزء السابع: التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: الخيانة (7/12)

لقراءة الجزء الثامن: التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: تشتت قيادة الخارج (8/12)

لقراءة الجزء التاسع: التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: معارك تنغير (9/12)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *