×
×

التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: معركة السونتات (6/12)الجزء السادس

سقط بنونة والعلوي قتيلان في معركة أملاكو واعتقل فريكس، وعلى بعد كيلومترات منهم دارت رحى معركة أخرى، لم تقل عنها ضراوة، لكن وعلى عكس المعركة السابقة، تمكن مقاتلو التنظيم المسلح من فك الطوق والهرب بعيدا عن القوات الخاصة في فصول رحلة اخرى.

توقفنا في الجزء الخامس من هذا الملف، عند معركة أملاكو ومقتل محمود بنونة على يد قوات الأمن.

كانت بقية مجموعة محمود بنونة في طريقها إلى إملشيل، يقودها النجار وسي إبراهيم والقاضي، وقائدا التنظيم في إملشيل، حيث توقفت المجموعة في قرية السونتات، حوالي العاشرة صباحا، واستقر أعضاؤها بداخل منزل أحد القادة المحليين، الذي خرج ليتفقد الوضع، قبل أن يعود ويقود رفاقه إلى منزل آخر اجتمعوا فيه بمقاتلين محليين.

صوب الجبل

قرر النجار، الذي كان يقود المجموعة، الصعود إلى الجبل الذي يعلو المركز الإداري لإملشيل، قبل أن يحس بحركة غير طبيعية، أرسل على إثرها أحد رفاقه لتفقد الأحوال. هذا الأخير أخبر المجموعة بأن القوات المساعدة تبحث عنهم، وفر هاربا قبل أن يتبعه العديد من الحاضرين.

 تابع النجار ومن معه مسيرهم، قبل أن يصلهم صوت مقدم فرقة القوات المساعدة يأمرهم بالاستسلام، مضيفا: “نحن نعمل بالأوامر رغما عنا”. رد النجار ورجاله بإطلاق النار، فتفرق رجال القوات المساعدة الذين كانوا مسلحين ببنادق بسيطة.

اتخذ النجار ورفاقه المتبقين وضعية دفاعية، وأرسل زوجة أحد الموجودين لتتقصى الوضع. عادت الأخيرة بعد وقت قصير مخبرة إياهم باشتباك أملاكو ومقتل بنونة، واعتقال عدد من الرجال في مجموعة من الدواوير.

أحس النجار ورفاقه بالخناق يضيق عليهم، وفكروا بأن أي مواجهة في القرية ستؤدي إلى إهدار دماء كثيرة، ليقرروا التراجع إلى الجبل.

انسلوا من باب خلفي نحو الجبل، وبمجرد سيرهم حوالي الكيلومتر، صادفوا في طريقهم امرأة مع ولدين، سارعت إلى إخبار السلطات، فتعقبتهم القوات المساعدة المحلية، مصحوبة ببعض سكان القرية ممن يعرفون ب”الحياحة”.

كان كثير من رجال القوات المساعدة على دراية بالتنظيم المحلي، وبعضهم كان من المتعاطفين معه. لكن الأوامر كانت فوق التعاطف.

تابع النجار ومن معه مسيرهم، قبل أن يصلهم صوت مقدم فرقة القوات المساعدة يأمرهم بالاستسلام، مضيفا: “نحن نعمل بالأوامر رغما عنا”. رد النجار ورجاله بإطلاق النار، فتفرق رجال القوات المساعدة الذين كانوا مسلحين ببنادق بسيطة.

اقرأ أيضا: التيار المدخلي: الدين في خدمة السياسة 1\2

معركة الجبل

استغل فريق النجار الوضع، وشق طريقه صوب جبل أمالو سونتات. في حوالي الساعة الرابعة زوالا، ظهر في الأفق سرب طائرات مروحية، كان يحمل الإمدادات اللازمة لرجال القوات المساعدة.

شكلت الطائرات نصف دائرة أسفل الجبل، ونزلت منها فرق من قوات التدخل الخاصة قادمة من قصر السوق ومن الريش. كان المنظر مرعبا، ولكن النجار ورجاله واصلوا طريقهم صوب قمة الجبل الذي كان علوه يزيد عن 3000 متر.

تحصن النجار ومن معه في قمة الجبل، بينما كانت فرق القوات الخاصة تستعد أسفل الجبل لبداية الهجوم. ما هي إلا دقائق، حتى بدأ رجال الوحدات الخاصة الهجوم، فيما كانت الطائرات تحلق فوق المنطقة.

كان النجار ومن معه متحصنون جيدا، ما جعلهم يسقطون عددا من الإصابات في صفوف القوات المهاجمة. كما تمكن القاضي، الذي عرف بمهارته في التسديد، من قتل سعيد أوتاما، أحد أعيان المنطقة الذي كان يجند السكان المحليين، المعروفين باسم الحياحة، كما عرف بتبليغه عن المناضلين المنتمين للتنظيم السري أو للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

فك الطوق واختفاء القاضي

دام إطلاق النار عدة ساعات، قاومت فيها مجموعة النجار بشكل لم يكن متوقعا من طرف السلطات، فطلبت مزيدا من الإمدادات من مراكش وورزازات. آنذاك، اقترح القاضي إخلاء المكان وكسر الطوق الذي كان يجري تنفيذه حولهم.

كانت القوات المساعدة تفتش في كل دواوير وقصور المنطقة، كما كان المقدمين والشيوخ في حالة استنفار. وسط هذا الوضع، كان على النجار ومجموعته التخفي إلى أن وصلوا إلى مكان يدعى “أزغار”، حيث التقوا مع أحد رفاق التنظيم المحلي، الذي جهز لهم المؤن ليشقوا مسارا آخرا طويلا.

اقتضت الخطة أن يقتصد المدافعون في إطلاق النار، وأن ينتظروا حتى يطلق الليل خيوطه، فيقوم القاضي بتغطية رفاقه بالنيران، إلى أن يتمكنوا من الوصول إلى واد جانبي يوصلهم إلى منطقة مفتوحة… ثم يلتحق بهم.

نفذت المجموعة الخطة، لكن فجأة… غاب كل أثر للقاضي، جال النجار ببصره بحثا عنه فلم يجده، زحف باتجاه موقعه فلم يعثر له على أثر. حار النجار ومن معه، وللحظات تشتت فكرهم…

القوات الخاصة تتقدم في اتجاه الجبل. الإمدادات قادمة من مراكش وورزازات. شهب مضيئة تنير الجبل وتجعل من احتمالية كشف موقعهم للمروحيات واردة. الجوع والعطش الذي أخذ يتمكن منهم… فيما كان البرد يؤثر فيهم بدوره.

قرر النجار ومن معه الذهاب في الاتجاه المعاكس الذي سبق أن اتفقوا عليه مع القاضي، تلافيا لأي احتمال، وكذلك كان. مع بزوغ خيوط الفجر، كان رفاق النجار قد قطعوا ثلاثين كيلومترا بعيدا عن الجبل، صوب دوار تاغيغاشت.

سار النجار ومن بقي معه مدة طويلة، قبل أن يصلوا إلى أحد المنازل التي يعرفها أحدهم، حيث لجؤوا لأهل المنزل، الذين أحسنوا وفادتهم، ومكثوا فيه طيلة النهار، قبل أن يغادروا، بعدما زودهم صاحب الدار ببعض المواد الغذائية والمواد التي يحتاجونها، كما تحرى لهم عن دوريات المراقبة.

كانت القوات المساعدة تفتش في كل دواوير وقصور المنطقة، كما كان المقدمين والشيوخ في حالة استنفار. وسط هذا الوضع، كان على النجار ومجموعته التخفي إلى أن وصلوا إلى مكان يدعى “أزغار”، حيث التقوا مع أحد رفاق التنظيم المحلي، الذي جهز لهم المؤن ليشقوا مسارا آخرا طويلا.

اقرأ أيضا: موقع الدين في نظام الحكم بالمغرب: مسرحة السلطة وشرعنتها 2/2

طريق القاضي الوحيد

في ذات الوقت، كان القاضي لا يزال فاقدا للوعي في الجبل. استعاد وعيه لاحقا، وشق طريقه صوب جبل مجاور، ظل فيه ثلاثة أيام بدون أكل. في الليلة الرابعة، مر بقرب ملحقة إملشيل التي كانت تشهد حالة استنفار.

كان القاضي قد وقع في نهر كبير أثناء عبوره، وتزامن ذلك مع تساقط شديد للثلوج. تمكن من النجاة بصعوبة، قبل أن يعبر الجبل ويلتجئ لأحد السكان المحليين. هذا الأخير، رغم عدم معرفته به، إلا أنه زوده بما يحتاجه من تموين ومواد غذائية ومعلومات.

شق القاضي طريقه نحو بني ملال، في رحلة لن تخلو من إثارة ومشاكل وخيانات.

في الوقت نفسه كان التنظيم السري يعرف غليانا، ما بين مجموعة تنغير ومجموعة الخارج، والاتحاديون الذين أصبحوا عرضة للمطاردات…

تفاصيل ذلك نكشف عنها في الأجزاء اللاحقة.

 

تنويه:

اعتمد في إنجاز حلقات هذا الملف على المصادر التالية:

–         كتاب “الثورة الموؤودة” لمحمد لومة.

–         كتاب “أبطال بلا مجد” للمهدي بنونة (نجل محمود بنونة).

–         كتاب “ثورة لم تكتمل” لمحمد التوزاني

–         تقارير المرفوعة لقيادة التنظيم السري من طرف الناجين من الاعتقال

o       تقرير سي إبراهيم

o       تقرير القاضي

o       تقرير النجار

–         العدد رقم 3 من جريدة الاختيار الثوري، مارس 1976

–         العدد رقم 14 من جريدة الاختيار الثوري، مارس 1977.

–         لقاءات شفوية مع كل من:

o       محمد التوزاني

o       بعض أهالي المختطفين والمعتقلين من مجموعة مولاي بوعزة والتنظيم السري المحلي بخنيفرة

 

لقراءة الجزء الأول: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين فيها: التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة بالمغرب (1)

لقراءة الجزء الثاني: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين فيها: في الطريق إلى انتفاضة 1973. خلافات رفاق السلاح (2

لقراءة الجزء الثالث: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين في انتفاضة 1973: الطريق إلى السلاح

لقراءة الجزء الرابع: في ذكرى تنفيذ الإعدام في حق بعض المشاركين في انتفاضة 1973: أولى الرصاصات

لقراءة الجزء الخامس: معركة أملاكو ومقتل محمود بنونة

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *