×
×

عبد الدين حمروش يكتب: العربية: بين سجالين

خارج التجاذبات السياسية، برز سجال آخر، في الآونة الأخيرة، من نمط أدبي. فقد تحدث الأديب الفرونكوفوني الطاهر بنجلون، في حوار معه على “أحداث أنفو”، عن كون العربية صارت محتقرة اليوم، إضافة إلى كون الذين يكتبون بها يتطلعون، فعلا، إلى أن يترجموا في اللغات الأجنبية. في مقابل اعترافه بأن العربية إحدى أجمل لغات العالم، إلا أنها “لم تعثر على السياق الثقافي والاجتماعي المناسب”.

يعيش المغرب، منذ سنوات، على إيقاع سجال مستمر حول “لغات التعليم”. فبعد الدعوة إلى “التدريج”، باعتبار الدارجة/ العامية، هي لغة المغاربة الحية والمستعملة، ما انفكت النقاشات تتناسل حول موضوع “اللغة والتعليم”.

بعد فترة معينة، انتهى النقاش حول “الدارجة”، شهدت له بذلك المناظرة الرمزية، التي كل من بطليها: المفكر عبد الله العروي، ورجل الأعمال الناشط نور الدين عيوش.

وإن وُضعت الدارجة بالرّف، على الرغم من الأسئلة الثقافية التي أثارتها، في علاقة المغاربة بثقافاتهم وألسنتهم، إلا أن السجال حول لغة/ لغات التعليم ما يزال فاعلا إلى اليوم. ولعل الجديد الذي استأثر باهتمام المغاربة، سياسيين وأكاديميين ومثقفين، تمثل في طرح “قانون الإطار”، الذي تراجع عن تدريس المواد العلمية بالعربية، لصالح لغة الحماية الفرنسية. وقد أفرز السجال الأخير ثلاثة اتجاهات:

وإن وُضعت الدارجة بالرّف، على الرغم من الأسئلة الثقافية التي أثارتها، في علاقة المغاربة بثقافاتهم وألسنتهم، إلا أن السجال حول لغة/ لغات التعليم ما يزال فاعلا إلى اليوم.

– الاتجاه الأول يدعو إلى اعتماد الفرنسية في تدريس العلوم، باعتبار فشل العربية في الاضطلاع بالمهمة، بعد سنوات من التعريب. وقد تَشكَّل هذا الاتجاه، أساسا، من فريقين، تحالفا على تأكيد فشل تعريب العلوم. الواحد منهما يتألف من دعاة الفرونكوفونية، وهم في غالبيتهم رجال أعمال، إضافة إلى رجال دولة من أطر حكومية وإدارية. ولا تفوت الإشارة إلى الدعم المادي، الذي توفره الدولة الفرنسية، عبر قنصلياتها، ومدارس بعثاتها، ومراكزها الثقافية. علاوة على الفرونكوفونيين، انضم فريق آخر من النشطاء الأمازيغيين، وبخاصة المتشددون منهم. وقد اعتُبر الحيف، الذي يلحق الأمازيغية، إلى اليوم، راجعا إلى هيمنة العربية، تاريخيا، على المغرب؛

إقرأ أيضا: الفرنسية والإنجليزية في التعليم المغربي: هيمنة اللغة… لغة الهيمنة؟ 2/2

    – الاتجاه الثاني يدعو إلى استمرار تدريس المواد العلمية بالعربية، ورفض القول بفشل سياسة التعريب، مُعلِّلا وجهة نظره بغياب إرادة التعريب الحقيقية من ناحية، ونقص الاعتمادات المادية والبشرية الكفيلة بنجاح تعريب العلوم من ناحية ثانية.

على الرغم من طروحات تيار التعريب القوية، بالاستناد إلى مفاهيم السيادة الوطنية والهوية الثقافية الجامعة، فقد نجح التيار الفرونكوني في تمرير قانون الإطار. وأقصى ما بلغه دعاة التعريب، هو إحداث نوع من البلوكاج المؤقت، إلى حين استجماع الأغلبية قواها البرلمانية، وبالتالي الذهاب إلى البرلمان مجتمعة، من أجل إخراج القانون المذكور.

في سياق ذلك، لا ينبغي إغفال ما حدث لـ”العدالة والتنمية” من سجال داخلي، نتيجة التصويت الإيجابي لبرلمانييه، خروجا عن أحد أهم العناصر المرجعية للحزب الأغلبي. وقد تشكل، في إثر ذلك، تَجمُّع واسع من دعاة التعريب، ضمّ الإسلاميين واليساريين القوميين. وإلى حدّ الساعة، لم تخمد المعركة، بالنظر إلى بعض المبادرات المنظمة، هنا وهناك، احتجاجا على قانون الإطار.

علاوة على الفرونكوفونيين، انضم فريق آخر من النشطاء الأمازيغيين، وبخاصة المتشددون منهم. وقد اعتُبر الحيف، الذي يلحق الأمازيغية، إلى اليوم، راجعا إلى هيمنة العربية، تاريخيا، على المغرب

خارج هذه التجاذبات السياسية، برز سجال آخر، في الآونة الأخيرة، من نمط أدبي. فقد تحدث الأديب الفرونكوفوني الطاهر بنجلون، في حوار معه على “أحداث أنفو”، عن كون العربية صارت محتقرة اليوم، إضافة إلى كون الذين يكتبون بها يتطلعون، فعلا، إلى أن يترجموا في اللغات الأجنبية. في مقابل اعترافه بأن العربية إحدى أجمل لغات العالم، إلا أنها “لم تعثر على السياق الثقافي والاجتماعي المناسب”.

إقرأ أيضا: مصطفى فهمي: مغربي أحب شكسبير واحتفت به كندا

    الإشكالية ليست في اللغة، بحد ذاتها، وإنما في السياق غير الملائم. وبدل أن يتقلص الكُتّاب المغاربة بالفرنسية، سنة بعد أخرى، التحق كُتّاب آخرون إلى الركب اللغوي الأجنبي، عبر طريق الترجمة. ولمقاربة الأسئلة، التي يطرحها بنجلون، فإننا نكتفي بتسجيل ثلاث ملاحظات:

– سعي الكُتّاب العرب إلى ترجمة كتباتهم، لا يقتصر عليهم وحدهم، على الرغم من المقروئية الواسعة للكتاب الأجانب بلغاتهم الأصلية (الإنجليزية مثلا)؛

– السعي إلى الترجمة للغات الأجنبية، هو أمر عادي في حدوده التثاقفية، مادام لا يستطيع الذهاب إلى حد الاستعاضة عن العربية باللغة الأجنبية. الكتابة الأدبية، بالذات، مسألة لا يحسمها التطلع إلى توسيع المقروئية؛

– القيم الجمالية والفكرية، التي تحتملها الأعمال الأدبية الأصيلة، هي التي تحسم في مسألة الانتشار. ولنا أكثر من عمل أدبي، قديما كان أم حديثا، استطاع اختراق الحدود اللغوية الموضوعة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *