×
×

إتلاف الكتب في صدر الإسلام… هذه حكاية نبذ العرب للكتابة 3/1

نتابع في الجزء الأول من هذا الملف حكاية العرب مع الحفظ في صدر الإسلام ونبذهم للكتابة نبذا جعلهم يتلفون جل ما خطه قلم آنذاك…

العرب والكتابة قديما، حكاية تنابذ تام…

كانوا أميّين، قلة منهم فقط تعرف الكتابة والقراءة. ولأنهم كذلك، اعتمدوا على الحفظ. فيما يذكره أهل الأخبار، فإنه كانت لبعضهم ذاكرة مضرب مثل.

لكنهم والحال هذه، تقول بعض الروايات، لم يشجعوا الكتابة مطلقا، إنما حاربوا كل مكتوب… بداية من الأحاديث النبوية وانتهاء بكل ما يمكن أن يخط على ورقة أو قرطاس.

الحق أن منهم من أتلف كتبه بنفسه بعد أن “أنّبه ضميره” لسبب ما، ومنهم من كانت كتبه وجبة لذيذة لمحارق السلطة…

العرب وإتلاف الكتب في صدر الإسلام إذن حكاية حب شره… وتلك هي الحكاية، التي نتابعها في هذا الملف.

يقول نبي الإسلام، في حديث متفق عليه رواه كثيرون: “إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب…”.

ببساطة، يقر النبي هنا بأن أمة الإسلام، يومها، لم تكن تعرف القراءة ولا الكتابة.

أما عدم معرفتها بالحساب، وهذا غير موضوعنا، فعنى به، وفق البعض، حساب النجوم والفلك؛ ذلك أن حديثه هذا أتى في حساب الشهر، وقد قال في آخره إنه مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين يوما.

كانت العرب تحتقر كتابة العلم في القراطيس… والواقع أن العرب المتقدمين أورثوا هذه السمة، التي تكاد تكون عربية خالصة، لعرب صدر الإسلام.

وإذ الأمر كذلك، فالعرب يومئذ رفعت من قدر الحفظ، الذي عدّته أهم طرق النقل إلى الأجيال الأخرى… شفهيا بالتأكيد.

اشتهرت العرب بالحفظ، حتى إنه كان لبعضهم أن يحفظوا قصيدة بكاملها، سماعيا، من المرة الأولى.

تعدّ حكاية الأصمعي مع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور وقصيدة “صوت صفير البلبل”، الأشهر في حكايا الحفظ.

اقرأ أيضا: منع الكتب: سلاح الاستبداد في محاربة التحرر

وقد روي عن ابن شهاب[1] إنه كان يقول: “إني لأمر بالبقيع فأسد أذنيّ مخافة أن يدخل فيهما شيء من الخنا[2]، فوالله ما دخل أذني شيء قط فنسيته”.

كانت العرب تحتقر كتابة العلم في القراطيس… والواقع أن العرب المتقدمين أورثوا هذه السمة، التي تكاد تكون عربية خالصة، لعرب صدر الإسلام.

الأصمعي، بالمناسبة، قال إن يونس بن حبيب[3] سمع رجلا ينشد:

استودع العلم قرطاسا فضيعه … وبئس مستودع العلم القراطيس

فقال يونس: قاتله الله ما أشد صيانته للعلم، وصيانته للحفظ، إن علمك من روحك… فصن علمك صيانتك روحك…”.

كانت الكتابة يومذاك إذن منبوذة مكروهة… عادة لم يسنها الإسلام، إنما موروثة كما قلنا سابقا.

المتأخرون يومها كانوا يحتجون بما فعله المتقدمون من المسلمين؛ وقد خدم هذا السلطة كثيرا، بحيث تبنته في منح الشرعية لما تقرره في إتلاف الكتب…

عن ابن العباس قال: “إنّا لا نكتب العلم ولا نُكتِبُه”. وروي عن أبي نضرة[4] إنه “قيل لأبي سعيد: لو أكتبتنا الحديث. فقال: لا نُكتبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا”.

اقرأ أيضا: الشعر ديوان العرب في الزندقة أيضا… قبل أن يطاله مقص رواة الأخبار! 2/1

كثير من الصحابة عملوا لهذا السبب على إتلاف الكتب، باستثناء القرآن، كما حثوا على ذلك، ومما ينسب إلى بعضهم:

عمر بن الخطاب

عن يحيى بن جعدة[5] أن عمرا بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: “من كان عنده شيء فليمحه”.

علي بن أبي طالب

عن عبد الله بن يسار[6] قال: “سمعت عليا يخطب يقول: “أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم”.

أبو موسى الأشعري

عن أبي بردة[7] قال: “كتبت عن أبي كتابا كبيرا فقال: إئتني بكتبك، فأتيته بها، فغسلها”.

وعنه، أيضا، قال: “كان أبو موسى يحدثنا بأحاديث فقمنا لنكتبها. فقال: أتكتبون ما سمعتم مني؟ قلنا: نعم. قال: فجيؤوني به، فدعا بماء فغسله، وقال: احفظوا عنا كما حفظنا”.

لم يكن الحرق الوسيلة الوحيدة للتخلص من الكتب، وهي طريقة استعملتها السلطة أساسا، إنما أيضا التقطيع. بينما في الإتلاف الشخصي للكتب، نجد الغسل أو إغراقها في الأنهار أو البحار، ثم الدفن أيضا.

مثل هذه المواقف، وفق ناصر الحزيمي[8] في كتابه “حرق الكتب في التراث العربي”، أوجدت نوعا من الجرأة المبررة على إتلاف المدوَّن (الحديث النبوي، والمصاحف غير مصحف عثمان).

فكيف بسواه من كتب الرأي والكلام وغيره؟

اقرأ أيضا: مكتبة آل سعود بالدار البيضاء: أزيد من 800 ألف وثيقة في متناول الباحثين

المتأخرون يومها كانوا يحتجون بما فعله المتقدمون من المسلمين؛ وقد خدم هذا السلطة كثيرا، بحيث تبنته في منح الشرعية لما تقرره في إتلاف الكتب…

لكن، بمرور الزمن، صارت الأحاديث النبوية تستثنى مع القرآن، ثم لاحقا كتب الفقه، حتى خمدت النار عن سائر الكتب من الأدب والتاريخ واللغة وغيره.

الحرق بالمناسبة لم يكن الوسيلة الوحيدة للتخلص من الكتب، وهي طريقة استعملتها السلطة أساسا، إنما أيضا التقطيع. بينما في الإتلاف الشخصي للكتب، نجد الغسل أو إغراقها في الأنهار أو البحار، ثم الدفن أيضا.

في الجزء الثاني، نتابع حكايات مروعة لإحراق السلطة للكتب في التاريخ الإسلامي.

لقراءة الجزء الثاني: السلطة وإعدام الكتب في التاريخ الإسلامي… وحكايات مروعة 3/2

لقراءة الجزء الثالث: إعدام الكتب في التاريخ الإسلامي… حكايات مثيرة لشخصيات فضلت في الأخير إطعام كتبها للنار 3/3


[1]  فقيه محدث، عاش في العصر الأموي، اشتهر بقوة ذاكرته وجودة حفظه.
[2]  فاحش الكلام.
[3]  أديب ونحوي من البصرة (94 – 182 هـ).
[4]  من الرواة “الثقات”.
[5]  من الرواة “الثقات”.
[6]  من الرواة “الثقات”.
[7]  ابن أبي موسى الأشعري.
[8]  باحث سعودي، وسابقا أحد أفراد جماعة أهل الحديث في السعودية.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *