×
×

محمد الزرقطوني… رجل المثل العليا الذي وهب روحه الشابة دون تردد ليحيا الوطن 2/2

“مثلما أخرجتم النازية وهتلر من فرنسا، سنخرجكم من أرض المغرب، ومحمد بن يوسف سيعود إلى الوطن؛ والمغاربة، طال الزمن أو قصر، سينالون استقلالهم”، قال الزرقطوني موجها كلامه لسلطات الاستعمار الفرنسي، عند اعتقاله، قبل أن يضحي بنفسه ليحيا الوطن…

كان محمد الزرقطوني فتى عاديا كغيره من أقرانه، بيد أنه نشأ في جو يتحسس فيه المغرب طريقه نحو الاستقلال. مجزرة “سانيكال” التي قامت بها سلطات الحماية سنة 1947 كان لها أثر عميق في نفس الزرقطوني، فقرر على إثرها أن العنف لا يواجه سوى بالعنف. نفي الملك محمد الخامس، كما رأينا في الجزء الأول، كانت النقطة التي أفاضت الكأس، وهكذا تقرر تنفيذ عملية كبرى للرد بقوة على المستعمِر. هذه العملية اسمها عملية “مارشي سونترال”، وبدءا منها سنتمم هذا البورتريه في جزئه الثاني والأخير.

قبل عملية “مارشي سونترال”، التقى محمد الزرقطوني بأعضاء من منظمة “اليد السوداء”، فاجتمعوا على ضرورة الرد بقوة على نفي السلطان محمد الخامس. هكذا، رأوا أن يبدؤوا بتصفية بعض الخونة، فكان ذلك في شتنبر سنة 1953، إذ قاموا بتصفية كل من العربي المسكيني ومحمد بنيس وعبد الله الفاسي.

بعد عدد من التفجيرات، انقلبت حياة محمد الزرقطوني رأسا على عقب، بعدما أصبح المطلوب رقم واحد لدى سلطات الحماية.

ثم بعد ذلك، حان موعد عملية “مارشي سونترال” بالدار البيضاء، حيث تم تفجير قنبلة ليلة رأس السنة الميلادية لرمزيتها كرد على نفي محمد الخامس، كما تلت هذه العملية عملية أخرى، تم فيها تفجير القطار الرابط بين الرباط والجزائر.

من هنا، انقلبت حياة محمد الزرقطوني رأسا على عقب، بعدما أصبح المطلوب رقم واحد لدى سلطات الحماية. هذه الأخيرة قامت في غضون ذلك باعتقال أحد أصدقائه، واسمه البشير شجاع الدين. كان صهر شجاع الدين قد تورط في قضية مع الشرطة السرية الفرنسية، فأقنعته باعتناق الحرية مقابل دلهم على مكان وجود الزرقطوني.

اقرأ أيضا: المرجعية التاريخية للتنظيمات السياسية المغربية 1- التنظيمات السياسية قبل الاستقلال (1925- 1937)

يبدو أن العرض كان مغريا لصهر شجاع الدين، ذلك أنه توجه إلى محمد الزرقطوني الذي كان متخفيا، وأخبره أن قضية صديقه قد حلت وأنه تم إطلاق سراحه، وله أن يعود إلى البيت دون أدنى مشكل. عاد الزرقطوني إلى بيته فوجد عناصرَ من الشرطة في انتظاره، وهكذا ألقوا عليه القبض بوشاية من… ابن وطنه.

“مثلما أخرجتم النازية وهتلر من فرنسا، سنخرجكم من أرض المغرب، ومحمد بن يوسف سيعود إلى الوطن؛ والمغاربة، طال الزمن أو قصر، سينالون استقلالهم”، قال الزرقطوني موجها كلامه للشرطة بعيد اعتقاله.

لكن هؤلاء لم يكونوا على علم بأن الزرقطوني كان يعد لهذه اللحظة منذ أمد، فكان يخبئ لديه حبة سامة. هكذا، وكي لا يتحمل مشقة تعذيب يمكن أن يجعله يفصح عن عناصر الخلية، اختار الزرقطوني أن يضع حدا لحياته.

محمد الخامس: “أيها البطل الشهيد، شاء الله عز وجل أن نقف على قبرك، لا لنبكي شبابك الغالي، فإن أمثالك لا تقام ذكراهم بالبكاء؛ ولا لنجدد التعزية لأهلك وذويك، فإن فقدانك أعظم شرف أصبحت تعتز به أسرتك…”.

يشير الصحفي المغربي لحسن العسيبي إلى أن عناصر الشرطة، بمجرد أن وصلوا بالزرقطوني إلى مخفر الشرطة الموجود حاليا بشارع الروداني بالدار البيضاء، فوجئوا بسقوطه صريعا تحت تأثير السم، فخاب بذلك أملهم في نزع أي اعتراف منه، ولم يسمعوا منه سوى تلك الكلمات التي نطقها في آخر ثواني حياته، الحاملة لبشارة الاستقلال.

اقرأ أيضا: المرجعية التاريخية للتنظيمات السياسية المغربية 2- التنظيمات السياسية قبل الاستقلال (1938- 1955)

ليس من المصادفة اليوم في شيء، أن يكون اليوم الوطني للمقاومة هو 18 يونيو، فهو اليوم الذي استشهد فيه الزرقطوني سنة 1954، وخلده سنتين بعد ذلك، الملك محمد الخامس في خطاب له يقول فيه معددا مناقب الراحل:

“أيها البطل الشهيد، شاء الله عز وجل أن نقف على قبرك، لا لنبكي شبابك الغالي، فإن أمثالك لا تقام ذكراهم بالبكاء؛ ولا لنجدد التعزية لأهلك وذويك، فإن فقدانك أعظم شرف أصبحت تعتز به أسرتك، ولكننا جئنا اليوم لنتذكر المثل العليا التي بذلت فيها روحك الطاهرة”.

محمد الزرقطوني يعد اليوم أحد أبرز رجالات المقاومة في المغرب، بل وأشهرهم، لا مدينة في المغرب، إلا وبها مدرسة تحمل اسمه، إلا وبها شارع يخلد ذكراه… أبرزها شارع محمد الزرقطوني بالدار البيضاء، الذي يعد من أكبر شوارع المدينة.

لقراءة الجزء الأول: محمد الزرقطوني: رجل تجرع السم… ليحيا وطن! 2/1

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *