×
×

الثور، الكبش والأسد: هذه بعض الحيوانات التي قدّسها الإنسان المغاربي القديم 2/2

نتابع هذا الملف عن حضور الطوطمية في المنطقة المغاربية قديما، لنتعرف في جزئه الثاني والأخير، على أبرز الحيوانات التي قدسها المغاربيون فيما مضى…

تعرفنا في الجزء الأول على المقصود بـ”الطوطمية”، وقلنا إنها نوع من التدين شهدته البشرية في بداياتها وكان موضوعها الحيوان أساسا… وبعدما عرضنا أيضا ملامح عامة عن حضور “الطوطمية” في المنطقة المغاربية قديما، في هذا الجزء الثاني والأخير، نتابع الملف مع بعض أبرز الحيوانات التي قدسها المغاربيون فيما مضى.

الثور

مشهد صخري يبين تقديس الثور بالحسبية (الجزائر)

انتشرت ظاهرة تقديس الثيران والأبقار في حضارات مختلفة من العالم القديم، كما هو الحال في شمال إفريقيا، حيث كانت توجد بكثرة حسب ما تؤكده صور القطعان في عدد من الرسوم والنقوش الصخرية بالمنطقة.

وفق المؤرخ الجزائري، كيحل البشير عطية[1]، فإن 13 بالمائة من الرسوم في جنوب وهران مثلا، تمثل ثيرانا وأبقارا. بعضها رسم عليه راقصون حول هذه الحيوانات في جو احتفالي، فسرت بكونها تعبير عن طقوس لتقديسها.

إضافة إلى الرسوم، يشير المؤرخ إلى أنه وجدت في المنطقة عدة هياكل عظمية تعود لأبقار دفنت بطريقة تدل على أنها أحيطت بعناية خاصة، كما عثر على تماثيل حجرية صغيرة لها، افترض من خلالها علماء الآثار، أنها قدست منذ العصر الحجري الحديث.

اقرأ أيضا: بين الأسطورة والعلم: كيف كانت بداية البشرية في الواقع؟ 4/3

ويرى المؤرخون أن سبب تقديس الثور كان قوته الجسدية وكذا الإخصابية، ما جعله نموذجا للعنصر المذكر في الطبيعة.

مما يورده المؤرخ والجغرافي، أبو عبيد البكري، أن قبيلة من جبال جنوب المغرب كانت تعبد الكبش، حتى أن أفرادها كانوا يتنكرون عند ارتيادهم الأسواق بالبلاد التي تتدين بالإسلام.

عطية يشير إلى أن الإله الثور، وفق الأساطير الليبية القديمة، ولد بعد زواج الإله الكبير آمون ببقرة. لكن الباحث الجزائري، عبد الرحمان خلفة[2]، يورد رأيا آخر يقول إنه وجد ببعض النقوش الصخرية بليبيا أنه كان يطلق على هذا الإله اسم “جزريل” وكان ربة أنثى!

وفق المؤرخ والجغرافي أبو عبيد البَكري الذي عاش في الأندلس بالقرن 11م، فإن المغاربيين استمروا في تقديس الثيران مرورا بالفترة الرومانية وحتى الفترة الإسلامية حيث عاش.

الكبش

مشهد صخري يبين تقديس الكبش بجبل عمرو (الجزائر)

دارسو الرسوم والنقوش الصخرية في شمال إفريقيا يجدون تكرارا غريبا للأكباش التي تحمل قرصا على رأسها.

في معظم هذه المشاهد، نجد فوق رأس الكبش قرصا مشدودا على مستوى الرقبة، ويظهر بجانب بعضها إنسان رافعا يديه في ما يشبه حالة عبادة للكبش…

هذا الكبش حظي بالكثير من الاهتمام، ويطلق عليه المتخصصون اسم “الكبش ذو الهالة”، ويرجح بعضهم وفق عطية أنه كان يقدم كقربان لإله سماوي يرمز إلى الشمس؛ إذ عثر في الكثير من قبور المنطقة على أثاث جنائزي يضم رؤوس وقرون أكباش.

اقرأ أيضا: صناعة الجوع: هل الندرة مجرد خرافة؟ 4/1

يذهب آخرون إلى أن الأكباش لم تكن مخصصة للتضحية. أغلب الباحثين اعتبروها، يؤكد خلفة، معبودا استنادا إلى ظهورها بجانب الثيران في العديد من قبور عصور ما قبل التاريخ.

توجد حيوانات أخرى يُعتقد أن المغاربيين القدماء قد قدسوها، لكنها كانت أقل أهمية وفق المؤرخ عطية، لذلك شحت في ذكرها المصادر سواء كانت مادية أو مكتوبة، كالقردة مثلا والثعابين.

وفق ذات الباحث، فإن الهدف من هذا التقديس هو ضمان نمو وازدهار القطعان بما يمثله القرص حول عنق الكبش، من عبادة للشمس والخصوبة المرتبطة بها. وقد استمر ذلك إلى فترات متقدمة في العديد من المناطق بشمال إفريقيا، حتى بعد دخول الإسلام كما يشير إلى ذلك عطية.

من بين ذلك ما يورده المؤرخ والجغرافي، أبو عبيد البكري، إذ قال إن قبيلة من جبال جنوب المغرب كانت تعبد الكبش، حتى أن أفرادها كانوا يتنكرون عند ارتيادهم الأسواق بالبلاد التي تتدين بالإسلام.

الأسد

مشهد صخري يبين تقديس الأسد بالضريح الملكي (موريتانيا)

مشاهد كثيرة تلك التي عثر عليه بالنقوش الصخرية في المنطقة تمثل الأسد، تدل وفق المؤرخ عطية على اهتمام كبير للمغاربي القديم بهذا الحيوان، ومن ثم تقديسه.

ولعل الأسد قد فاق باقي الحيوانات قداسة، إذ عثر في بعض المشاهد على مثلث رُسم أعلاه أسد وأسفله باقي الحيوانات، لذا ربما سمي بملك الغابة.

وفق الباحث خلفة، فإنه يصعب القول بأن أصل تقديس الأسد محلي؛ ذلك أن هذا التقديس متأخر وربما يكون قد دخل إلى المنطقة بفعل تأثيرات إغريقية.

من جانب آخر، يربط بعض المتخصصين بين شعر الأسد اللامع وأشعة الشمس، على نحو يجعلهما شكلان لإله واحد.

حيوانات أخرى

توجد حيوانات أخرى يُعتقد أن المغاربيين القدماء قد قدسوها، لكنها كانت أقل أهمية وفق المؤرخ عطية، لذلك شحت في ذكرها المصادر سواء كانت مادية أو مكتوبة.

من بينها، القردة. يذكر عطية وجود قبائل عاشت معها القردة ضمن العائلة، ينظرون إليها كآلهة وعملوا على إرضائها بتقديم الأطعمة لها، لكن الباحث خلفة يقول إن قبائل كانت مجاورة لهذه، كانت تعامل القردة معاملة متناقضة على نحو يثير أسئلة لا إجابة لها، لشح المصادر.

اقرأ أيضا: ملايين “العبيد” يعيشون بيننا في عالم اليوم… 2/1

من بينها أيضا الثعابين، التي ترد عنها إشارات موجزة بالمنطقة المغاربية، بخاصة في ليبيا، حيث تذكر بعض المراجع أنه لصحة نسب الابن إلى أبيه، كان ينبغي أن يلمس الأول ثعبانا يوضع أمامه.

أشير كذلك باقتضاب إلى تقديس القط الوحشي، الذي تظهر بعض صوره على تيجان آلهة مختلفة في أماكن منعزلة.

علاقة خاصة إذن تلك التي تربط بين الحيوان والإنسان. كما أن أغلب شعوب العالم اليوم لها حيوان ما جعلته رمزا وطنيا لها… الديك الفرنسي، الدب الروسي، والفيل الإفواري أمثلة من بين أخرى.

لقراءة الجزء الأول: الطوطمية: هكذا قدّس الإنسان المغاربي القديم بعض الحيوانات… 2/1


[1]  عن مقاله: “الطوطمية وتقديس الحيوان لدى الإنسان المغاربي القديم”.
[2]  عن كتابه : “الديانة الوثنية المغاربية القديمة”.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *