×
×

ماذا تعرف عن “جهنم”؟ فكرة الجحيم ما قبل الديانات السماوية 2/1

أنّى امتد الزمن، وحيثما امتد، نجد فكرة الجحيم حاضرة منذ أقدم النصوص البشرية المرتبطة بالمعتقدات. وجهنم هذه، كما يجري وصفها بالإجماع، مكان كئيب مشؤوم يقع في عالم آخر، وربما أيضا عند البعض، هي حالة ضيق في العيش تبتدئ أثناء الحياة نفسها.

يندر في الحقيقة أن نجد دراسة عن الجحيم كمفهوم صقل على امتداد الحضارات الإنسانية؛ فهذا المكان السيء الذي يدخله الأشرار بعد موتهم في جل المعتقدات، لم يحظ بما يستحقه من بحث، وذلك ربما لشؤمه… لكن ثمة كتب، بالفعل، حاولت البحث في تاريخ تطور فكرة الجحيم، من بينها “تاريخ جهنم”[1] للمؤرخ الفرنسي جورج مينوا.

استنادا إليه، إذن، نخوض في هذا الملف الذي سنخصص جزأه الأول لتصورات بعض الحضارات قبل ظهور الأديان السماوية لمفهوم جهنم، على أن نخصص جزءا ثانيا لتصورات هذه الأديان حيال ذات المفهوم؛ وذلك لنتعرف على تاريخ تطور فكرة “الجحيم” لدى الإنسان!

كريم الهاني
كريم الهاني

أنّى امتد الزمن، وحيثما امتد، نجد فكرة الجحيم حاضرة منذ أقدم النصوص البشرية المرتبطة بالمعتقدات. وجهنم هذه، كما يجري وصفها بالإجماع، مكان كئيب مشؤوم يقع في عالم آخر، وربما أيضا عند البعض، هي حالة ضيق في العيش تبتدئ أثناء الحياة نفسها.

وفق جورج مينوا، فإن جهنم، سواء كانت أو لم تكن مرتبطة بالعقاب، سواء كانت أزلية أو عابرة، فهي مرآة لفشل كل حضارة في حل مشاكلها الاجتماعية، وهي أيضا مصدر غموض في الحالة الإنسانية، إذ أنه طالما بقي الإنسان عاجزا عن حل لغزه الخاص، فإنه سيظل يتصور جهنما ما.

حسب كتاب “تاريخ جهنم”، يمكننا من خلال بعض القبائل التي لا زالت ترتكز على التقاليد الشفوية، أن نكتشف بعضا من ملامح المعتقدات القديمة حيال جهنم. ومع أن هذه القبائل، أو بقايا الحضارات، بعيدة عن بعضها البعض، إلا أن جهنماتها[2] كثيرة الشبه، ولا يدخلها إلا الهالكون الذين سنأتي على وصفهم في لاحق الملف.

اقرأ أيضا: هكذا نشأت فكرة “الشيطان” لدى الإنسان الأول وتطورت حضارة بعد حضارة ودينا بعد دين 1\4

عند قبيلة “السيرير” في السينغال مثلا، نجد أن جهنم اسمها “هونولو” وتوجد في باطن الأرض حيث يفقد الإنسان قواه شيئا فشيئا. في ذات الدولة، نجد أن قبيلة “الديولاس”، تربط جهنم كمفهوم بالفكرة الأخلاقية وهي أن الإنسان يحتوي على قسم صالح، وآخر شرير، فمن كان الشر غالبا فيه، يتلاشى نهائيا.

أما عند “الشمانيين”، وهم فئات دينية تستوطن آسيا الشمالية وأمريكا الشمالية وتعرف بالاتصال بالأرواح، فربما يُعرفون جهنم أكثر من خلال شخص يتردد عليها دائما اسمه الشامان. والشامان هذا، كاهن عارف مسلح بقوى تسمح له بالانحدار بالروح إلى مملكة الأموات، حيث يصحب روح الميت ليساعدها على اجتياز العراقيل المنصوبة أمامها؛ وكان حين يعود إلى الأرض يطلع الناس على ما مر به في رحلته.

سواء كانت أو لم تكن مرتبطة بالعقاب، سواء كانت أزلية أو عابرة، فإن جهنم مرآة لفشل كل حضارة في حل مشاكلها الاجتماعية… وطالما بقي الإنسان عاجزا عن حل لغزه الخاص، فإنه سيظل يتصور جهنما ما.

كما نجد أن قبيلة “الأنكا” في أمريكا ما قبل كولومبوس، كانت تؤمن بحياة أخرى بعد هذه الحياة تجلب العقاب للأشرار والسعادة للأبرار، وكانوا يدعون باطن الأرض بـ”أكوباشا”؛ أي العالم السفلي المعد كمسكن للأشرار، وأحيانا يعطونه اسما أبلغ هو “كوبايبا هواسين” والذي يعني بيت الشيطان.

اقرأ أيضا: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

بالعودة إلى الهالكين الذين يدخلون جهنم، كما أتى على وصفهم كتاب “تاريخ جهنم”، فهم من عاشوا حياتهم تعساء أو خرجوا على القوانين، مثل من أصيبوا بحوادث قاتلة وضحايا الحرب، والذين لم يتسن لهم أن يواروا في أضرحة أو لم يرزقوا أولادا للعناية بقبورهم، وأيضا الغرقى والنساء اللائي توفين أثناء الولادة والفتيات المدركات اللائي متن عذارى، والزانيات اللائي قضين بسبب الأمراض.

هذه النماذج من الهالكين لا تخضع للتعذيب، لكنها، لكونها نفوسا ساخطة ومحبطة، تعيش عقابا من نوع آخر، إذ تجتر مرارتها فتصبح عدوانية وشريرة، يعذب بعضها بعضا، وقد تعود أحيانا إلى الأرض لتنغص على الأحياء عيشهم.

في الفهم القديم، ما كان لهؤلاء التعساء الذين أصابهم العقم وهم على قيد الحياة وتعرضوا للأحداث والأمراض والفقر، أن يكونوا كذلك لولا العدالة. فماذا اقترفوا؟ بكل بساطة، نزلت بهم العذابات من الآلهة لأنهم اقترفوا أعمالا سيئة خفية.

بعد ظهور الحضارة اليونانية، كانت جهنم موضوع الكثير من الأساطير، ولنا في قصة “سيزيف” مثالا، حيث كان يدفع بذراعيه صخرة ضخمة نحو رأس التلة، وكلما اجتاز قمتها كانت الكتلة الصخرية تقذف به إلى الوراء، فكان يعاود الدفع من جديد.

تكشف بعض الألواح السحرية الأكادية[3] أن هؤلاء كانوا يذهبون إلى العراف ليطلعهم على ما ارتكبوا حتى حلت بهم التعاسة. هكذا، يخضعون إلى استجواب مفصل، يشابه ما نجده في كتب الاعتراف المسيحية، وفي شرائع حمورابي التي يعود تاريخها إلى 1750 سنة قبل الميلاد، تطرح فيه أسئلة من هذا القبيل:

هل تفوهت بكلام يثير الفتن، بكلام مهين؟ هل استعملت ميزانا مغشوشا؟ هل اختلست مالا حراما؟ هل نقلت حدودك إلى أرض جارك؟ هل تسللت إلى بيت قريبك؟ هل اغتصبت زوجة قريبك؟ ألم تخفف بلوى إنسان يعاني من الضيق؟ هل تمردت على السلطة؟ هل كان فمك صادقا وقلبك كاذبا؟ إلى ذلك من الأسئلة.

الحق أن وراء هذا الاستجواب فكرة مفادها، وفق جورج مينوا، بأن من يخالف القانون الاجتماعي الذي سنه الحاكم، ينتهك النظام الإلهي الكوني، ومن ثم يلحقه القصاص أثناء حياته ويحمل أوزاره إلى ما بعد الموت بمصير تعيس… تقول أغنية بابلية في هذا الصدد: “أنا خاطئ ولهذا أنا مريض”.

اقرأ أيضا: العيد والحرب: كيف حولت رغبة الإنسان في التجديد، العالمَ، من الفرح إلى الدمار؟ 2/1

وحسب بعض الأساطير السومرية[4] والأكادية التي تعود إلى عصر واحد، فإن الأرواح تمثل بجلاء عند الموت أمام الآلهة (“إنانا” عند السومريين و”عشتار” عند الأكاديين)، وهي نفسها إذا أرادت أن تزور الجحيم حيث تحكم أختها “إرشكيغال”، عليها أن تعبر سبعة أبواب حيث ينتزع كل مرة ثوب من أثوابها حتى تصل عارية تماما.

وما تقع عليه عينا الآلهة كان لا يبعث على السرور أبدا، فالموجودون بجهنم يكسوهم الغبار ويطعمون الصلصال، لا يرون النور قط، يلبسون كالطيور، وتكسوهم أجنحة، ثم لا أمل لهم في الفرار، إذ أن جهنم تحيط بها سبعة أسوار ضخمة.

مع ظهور الفلسفة، بدأ رجال الفكر يعملون تفكيرهم في مسألة الشر المعنوي ومنشئه وفي عقابه المحتمل في العالم الآخر. هكذا، عبر أغلبهم، انطلاقا من خلاصاتهم جد المتحفظة، عن شك كبير في وجود جهنم.

بعد ظهور الحضارة اليونانية، كانت جهنم موضوع الكثير من الأساطير، ولنا في قصة “سيزيف” مثالا، حيث كان يدفع بذراعيه صخرة ضخمة نحو رأس التلة، وكلما اجتاز قمتها كانت الكتلة الصخرية تقذف به إلى الوراء، فكان يعاود الدفع من جديد.

أيضا، نقرأ في قصة شيخ اسمه “تانتال”، أنه كان يلقى العذاب واقفا في بحيرة، كان الماء يصل إلى ذقنه، وبالرغم من شدة عطشه لا يستطيع بلوغه، وفي كل مرة ينحني راغبا في إطفاء لهيب عطشه يهرب منه الماء وتبتلعه الارض.

اقرأ أيضا: الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! 2/1

إلا أنه مع ظهور الفلسفة، بدأ رجال الفكر يعملون تفكيرهم في مسألة الشر المعنوي ومنشئه وفي عقابه المحتمل في العالم الآخر. هكذا، عبر أغلبهم، انطلاقا من خلاصاتهم جد المتحفظة، عن شك كبير في وجود جهنم.

منبع هذا الشك، أو لنقل رفض جهنم، ينطلق، وفق جورج مينوا، من أن فكرة آلهة تحاكم الناس على أعمالها هي فكرة غير معقولة؛ فإن كانت الآلهة موجودة، فهي لا تهتم بالناس إطلاقا لأن عالمها غير عالم البشر، وإذا كانت جهنم موجودة بالمقابل، فيكون الناس هم من بنوها على الأرض بعماوة قلوبهم وبملاحقة أوهامهم ذات القيم الفاسدة.

في الجزء الثاني من هذا الملف، سنتابع كيف تقدم الديانات السماوية الثلاث جهنم. هل تباينت تصورات هذا المكان داخل كل ديانة على حدة؟ هل تتشابه هذه الديانات في تقديمها لجهنم؟ ثم هل هي إلا امتداد وتطور لما رأيناه في هذا الجزء؟

لقراءة الجزء الثاني: “جهنم” في الديانات السماوية 2/2


[1]  تعريب أنطوان الهاشم.
[2]  هناك خلاف بين علماء اللغة في جمع مفردة “جهنم”، فمنهم من يقول إنها اسم جامد ممنوع من الصرف ومن ثم فإنه لا يقبل الجمع، ومنهم من يقول إنها اسم غير ثلاثي غير عاقل ومن ثم يجمع جمع المؤنث السالم فيكون جهنمات.
[3]  الإمبراطورية الأكادية وجدت ببلاد الرافدين قبل أزيد من ألفي سنة قبل الميلاد.
[4]  الحضارة السومرية وجدت بجنوب بلاد الرافدين، قبل أزيد من ألفي سنة قبل الميلاد.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *