×
×

محمد عابد الجابري… نقد العقل العربي ولم يسلم من أسواط النقد المنهجي! 2/2

بعد أن عرضنا في الجزء الأول من هذا البوتريه بعضا من ملامح نشأة محمد الجابري إضافة إلى مختلف الدروب التي سلكها، أستاذا وسياسيا وصحافيا… في هذا الجزء، الثاني والأخير، نكتشف المشروع الفكري الذي كرس له محمد عابد الجابري حياته، ونميط اللثام عن بعض من النقد الذي رافق إسهاماته الفكرية.

الجابري المفكر

يعد الجابري أحد أشهر مفكري المغرب والعالم العربي برمته، ذلك أن أفكاره شكلت بداية مرحلة مغايرة من تاريخ التفكير العربي… أبرز هذه الأفكار، تلك التي تناول فيها نقد العقل العربي، وقضايا التراث والديمقراطية والدولة الوطنية والهوية.

للجابري مؤلفات عديدة يصعب حصرها، من بينها “قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي”، و”مدخل إلى فلسفة العلوم”، و”معرفة القرآن الكريم: التفسير الواضح لأسباب النزول”، و”إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، و”الديمقراطية وحقوق الإنسان”، و”مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب”، “الدين والدولة وتطبيق الشريعة”، و”المشروع النهضوي العربي: مراجعة نقدية”.

المشروع الفكري للجابري كان يقوم على تجديد الفكر العربي الإسلامي وإعادة بنائه من الداخل، ورأى أن مشروعه هذا يحتاج إلى مدة زمنية طويلة حتى يفهم. رأيه هذا ارتكز إلى كثرة منتقديه، فكان يلتمس لهم العذر على الدوام بعدم فهمه.

إلا أن أشهر مؤلفات الجابري  ظلت على الدوام رباعية “نقد العقل العربي”، التي جاءت في أربعة أجزاء هي “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي” و”العقل السياسي العربي” و”العقل الأخلاقي العربي”.

يرى بعض النقاد أن الجابري قد تمكن في رباعيته هذه، من أن يقوم بتحليل العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية التي بدأت منذ عصر التدوين، ثم انتقل بعده إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي، فابتكر في هذا الصدد مفهوم “العقل المستقيل”، ذلك العقل الذي ينأى بنفسه عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى، لينتهي به المطاف إلى نتيجة مفادها أن “العقل العربي بحاجة اليوم إلى إعادة الابتكار”.

اقرأ أيضا: المهدي بنبركة… من المعارضة والنضال الأممي إلى “الأسطورة”! 1\2

والواقع أن المشروع الفكري للجابري كان يقوم على تجديد الفكر العربي الإسلامي وإعادة بنائه من الداخل، ورأى أن مشروعه هذا يحتاج إلى مدة زمنية طويلة حتى يفهم. رأيه هذا ارتكز إلى كثرة منتقديه، فكان يلتمس لهم العذر على الدوام بعدم فهمه.

انتقادات “لاذعة”

الجابري على قامته الفكرية لم يسلم من النقد. المفكر المغربي طه عبد الرحمن، زعم أنه يقوّل الكتّاب ما لم يقولوا، ويسيء التصرف في النصوص، كما أنه لا يجيد التعريف، ناهيك عن سقوطه في التناقض وعجزه عن النقد والتمحيص، وعدم تمكنه من الأدوات المنهجية.

نادرا ما كان الجابري يرد على منتقديه، وحار البعض إن كان ذلك تعاليا أو استخفافا وربما تجاهلا… هكذا، رد على زعم طه عبد الرحمن بأنه يجدر أن يقول “أنا لا أفهم ما يقوله الجابري”.

لم يكن طه عبد الرحمن الوحيد في هذا المضمار، إحدى أشهر القصص في هذا الباب، نقد المفكر السوري جورج طرابيشي لكتابه “نقد العقل العربي”، وهو الذي يعترف بأنه خصص 25 سنة من حياته لنقد الجابري، بكتاب آخر عنونه “نقد نقد العقل العربي”.

اقرأ أيضا: في ذكرى اغتياله: عمر بن جلون… “شهيد” اليسار المغربي! 2/1

جورج طرابيشي كان قد قال يوما في كتاب الجابري هذا، “إن هذا الكتاب ليس فقط يثقف بل يغير، فمن يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”، فاكتشف بعد ذلك، كما يذكر في مقال له بعنوان “ست محطات في حياتي”، بأن الجابري يحيل في هوامش كتبه على إحالات لا وجود لها في المراجع المذكورة بعد أن محصها.

اقترن رفض الجوائز طويلا باسم محمد عابد الجابري… رفض لا ينم عن تعال أو فظاظة، إنما عن قامة تحترم اسمها وفكرها ولا تقايض بهما أي مكافأة كانت، وذلك حسبما يظهر من أسباب الرفض التي كان يبديها الجابري حينا ويبطنها حينا آخر.

بالمجمل، الأدلة التي يوردها طرابيشي عن الجابري، حسب البعض، يصعب دحضها، لامسا بذلك مواقع حساسة في فكر وكتب المفكر المغربي ليس أقلها الخلل في مراجع الجابري، بحيث إن الأخير حين أراد الرد عليه في أحد اللقاءات، اكتفى بـ”تقزيم” طرابيشي وحور النقاش إلى شخصه، قائلا إنه “مسيحي ليست له دراية تسمح له بالخوض في الفكر الإسلامي”.

وإذا كان هذا لا ينقص من إسهامات الجابري في الفكر والثقافة العربية، فإنه نظير ذلك حاز عددا كبير من الجوائز طيلة مسيرته الفكرية، كجائزة بغداد للثقافة العربية، والجائزة المغاربية للثقافة وميدالية ابن سينا من اليونيسكو وجائزة ابن رشد للفكر الحر، وغيرها كثير.

رفض الجوائز

اقترن رفض الجوائز طويلا باسم محمد عابد الجابري… رفض لا ينم عن تعال أو فظاظة، إنما عن قامة تحترم اسمها وفكرها ولا تقايض بهما أي مكافأة كانت، وذلك حسبما يظهر من أسباب الرفض التي كان يبديها الجابري حينا ويبطنها حينا آخر.

اقرأ أيضا: ادريس بن زكري… سيرة مهندس العدالة الانتقالية بالمغرب! 2/1

من بين ذلك، رفضه مرتين لجائزة قيمتها طائلة كان يقدمها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بدعوى أن استمارة الترشيح للجائزة لا تشمل تخصص الفلسفة.

رفضه كذلك لجائزة تقدمها اليونسكو في الشارقة، بدعوى أنه نال جائزة مثلها في وقت سابق في بغداد، ورفضه أيضا لجائزة في مجال حقوق الإنسان من الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، إذ رأى أنه لا يستحقها لعدم قيامه بأي نشاط في حقوق الإنسان.

بالمناسبة، رفض الجابري لم يطل الجوائز العربية وحسب، إنما المغربية منها أيضا، فقد كشف سابقا في كتيب يحمل عنوان “مواقف”، اعتذاره أكثر من مرة عن نيل جائزة المغرب للكتاب دون إيضاح الأسباب.

أكثر من ذلك، اعتذر مرتين عن عضوية أكاديمية المملكة المغربية. في المرة الأول لرغبته في الاكتفاء بصفة كاتب والبقاء في موقع المعارضة (الاتحاد الاشتراكي)، وفي المرة الثانية، لأن حالته الصحية لا تسمح له.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: والله لن نسلمكم أخانا… الرميد!

بيد أن هذه الأعذار كانت واهية حسبما يعترف به الجابري نفسه، إذ أفصح في الكتيب لاحقا أن السبب الحقيقي، كان عدم ضم عبد الرحيم بوعبيد أو أي مثقف من حزب الاتحاد الاشتراكي إلى الأكاديمية يوم تأسيسها.

بعد معاناة طويلة مع المرض، غادر محمد عابد الجابري في الـ3 من ماي 2010، الحياة، عن عمر ناهز 75 عاما، بعدما ترك وراءه إرثا فكريا كبيرا، خلد اسمه كأحد أبرز الأسماء في الساحة الفكرية، المغربية والعربية.

لقراءة الجزء الأول: في الذكرى التاسعة لرحيله: محمد عابد الجابري… المفكر الذي وضع العقل العربي على مشرحة النقد 2/1

تعليقات

  1. عادل

    استمتعت بقراءة هذه النبذة القصيرة لكن الغنية والمجملة عن حياة علم من أعلام الوطن العربي الذين وللأسف يجهلم الكثيرون. شخصيا سمعت أكثر عن مؤلفات الكاتب أكثر مما سمعت عنه كشخص.
    شكرا لكم على المقال بجزأيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *