×
×

العبودية: ظاهرة متجددة عبر الزمن 2/2

إلى حدود القرون الأخيرة؛ أو القرن 18 تحديدا، كانت الدول تضفي طابع مشروعية على الاسترقاق وتجارة الرق؛ وقد ظلت سفن العبيد تجوب العالم في رحلات الاحتلال الأوروبي لعشرات السنين. وفق تقديرات لمنظمة الأمم المتحدة، فإن هذه التجارة استمرت غضون 400 سنة، وقد راح ضحيتها ما يناهز 17 مليون شخص.

حين ظن العالم بأنه قد ذهب بعيدا في الحد من العبودية، حدث أن خرجت بثوبها التقليدي من الباب… وعادت من النافذة! عادت بصيغة جديدة وفق ما تبرزه أرقام ومعطيات المؤشر العالمي للعبودية، التي تابعناها في الجزء الأول من هذا الملف.

في هذا الجزء الثاني، نتابع لمحة تاريخية عن العبودية… عن بداية وعي العالم بكونها أحد أبشع مظاهر انتهاك حقوق الإنسان، وعن عمله على الحد منها!

يصعب العثور على نقطة بدء في تاريخ العبودية، لكن بعض المصادر التاريخية تشير إلى كونها ظاهرة موغلة في القدم. بعبارة أخرى، منذ انتبه الإنسان إلى إمكانية استخدام الأسرى في العمل لمصلحته أو لمصلحة الجماعة عوض الاكتفاء بقتلهم.

إحدى النماذج الواضحة في هذا الصدد، حضارة بابل التي تعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، إذ نجد في شريعة حمورابي نصوصا صريحة عن العبودية، تنظمها من حيث شراء العبيد، وعلاقات هؤلاء بأسيادهم.

من جانبها، كانت الحضارة اليونانية تعتمد على الرق وتتعامل به؛ فشعبها انقسم إلى طبقات اجتماعية عدة: هؤلاء نبلاء وأولائك فرسان، إضافة إلى طبقة العبيد، التي لم تكن تتمتع بأي حماية أو شخصية قانونية، باعتبارها في أدنى الهرم. نفس الشيء ينسحب على الحضارة الرومانية حيث كانت العبودية تشكل جزءا أساسيا من نظامها الاجتماعي.

اقرأ أيضا: هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2

في العموم، لم تسلم أي حضارة إنسانية من العبودية، بما فيها العربية، وذلك إلى حدود ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية.

اليوم، وبينما ظن العالم أنه قد أخذ يقضى على العبودية في تعريفها التقليدي، أكثر من 40 مليون شخصا في العالم، يرزح تحت العبودية في صيغتها الحديثة… فهل تكون العبودية، يا ترى، لعنة بشرية ترفض الاندثار؟

لم يشرع الإسلام الرق لكنه، في نفس الوقت، لم يشر بالصريح إلى تحريمه، إنما اعتبره كنتيجة حتمية للحروب؛ فجاء بنظام جديد ينبني على ما يعرَف بـ”عتق الرقبة”. بل أن الإسلام جعل عتق الرقبة هذا، بمعنى تحرير عبد وتمكينه من حريته، تكفيرا عن بعض الجرائم أو المعاصي الدينية.

إلى حدود القرون الأخيرة، القرن 18 تحديدا، كانت الدول تضفي طابع مشروعية على الاسترقاق وتجارة الرق؛ وقد ظلت سفن العبيد تجوب العالم في رحلات الاحتلال الأوروبي لعشرات السنين. وفق تقديرات لمنظمة الأمم المتحدة، فإن هذه التجارة استمرت غضون 400 سنة، وقد راح ضحيتها ما يناهز 17 مليون شخص.

اقرأ أيضا: جاك بيرك… عالم الاجتماع الفرنسي الذي استغل استعمار المغرب لتغيير كليشيهات أوروبا عن العرب والإسلام 1\2

لكن الوعي بكون العبودية تشكل إحدى أبشع مظاهر انتهاك حقوق الإنسان، كان قد بدأ يسري بين المجموعات. مع القرن الثامن عشر، بدأت “الكويكرز” مثلا، وهي جماعة دينية مسيحية تعمل إلى اليوم في مناطق عدة بالعالم، تؤدي دورا قويا في لفت انتباه الرأي العام إلى تجارة الرقيق، فشرعت الأصوات المناهضة لها تبرز في الفضاء العام.

هذا التنديد وهذه الحملات أرغمت الدول المستعمرة على إصدار قوانين تجرم تجارة العبيد والاسترقاق. هكذا، وطيلة القرن التاسع عشر، بادرت مجموعة من الدول إلى تجريم الرق، مثل بريطانيا، فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية. ثم توالت بعدها الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف، إلى أن وصلت حوالي 300 اتفاقية مع سنة 1957، لكنها ظلت دون أي فاعلية حقيقية.

مع ذلك، كانت فكرة مناهضة الرق قد تشربت في المنتظم الدولي، فتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، الذي يعد وثيقة مرجعية بخصوص الحقوق الإنسانية، نصا في المادة الرابعة منه يقول بعدم جواز استرقاق او استعباد أي شخص، كما حظر الاسترقاق والاستعباد، أيا كان شكله.

اقرأ أيضا: ماذا تعرف عن الاستشراق؟ الوجه الآخر للغزو الغربي للشرق… 1\2

وقد تجلت ذروة الاهتمام الدولي آنذاك في إقرار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود سنة 2000، وكذا بروتوكول منع وقمع الاتجار بالبشر، بخاصة الأطفال والنساء، سنة 2003.

اليوم، وبينما ظن العالم أنه قد أخذ يقضى على العبودية في تعريفها التقليدي، أكثر من 40 مليون شخصا في العالم، يرزح تحت العبودية في صيغتها الحديثة… فهل تكون العبودية، يا ترى، لعنة بشرية ترفض الاندثار؟

لقراءة الجزء الأول: ملايين “العبيد” يعيشون بيننا في عالم اليوم… 2/1

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *