×
×

من مصر، فاطمة ناعوت تكتب: لماذا يكرهون هذا الرجل؟

وقف رجلٌ ذاتَ نهار يحملُ في يده مصباحًا، لكي يُنير الطريقَ لمَن ضلّوا، وفي اليد الأخرى يحملُ مرآةً هائلة. راح يُوجّه صفحةَ المرآة العاكسة صوب وجوه الأدعياء المُضلّين الذين يخدعون …

وقف رجلٌ ذاتَ نهار يحملُ في يده مصباحًا، لكي يُنير الطريقَ لمَن ضلّوا، وفي اليد الأخرى يحملُ مرآةً هائلة. راح يُوجّه صفحةَ المرآة العاكسة صوب وجوه الأدعياء المُضلّين الذين يخدعون الناسَ. كان يعرف أن المرآة سوف تعكس قبحَ أرواحهم، فإن شاهدوا دمامتَهم، انفجروا، أو اِرعووا عن غِيّهم.

هذا الرجل موجودٌ في كل عصرٍ، ومنتشرٌ في كل بقعة من بقاع الدنيا. تمنحه السماءُ لأهل الأرض في كل حين، حتى يُنقذ البسطاءَ من تغوُّل الزائفين الذين يستغلون جهل الناس لكي يقتاتوا على جهلهم ويرتزقوا من غفلتهم.

ما شكلُ هذا الرجل، كيف يتكلم وما لسانه؟ له أشكال عديدة، وله ألسنٌ كثيرة، وملامح مختلفة، ويرتدي في كل زمن ملابسَ تشبه ذلك الزمان، وفي كل أرض ثيابًا تناسب تلك الأرض.

هذا الرجلُ خصيمُ الجهل، وخصيمُ التجارة الكذوب، وخصيمُ الارتزاق باسم السماء

ما اسم هذا الرجل؟ له أسماءٌ لا حصر لها. فتارةً اسمه الحلاج، وتارةً اسمه ڤولتير، وتارةً اسمه نصر حامد أبو زيد، وتارة اسمه ديڤيد هيوم، وتارةً اسمه الكِندي، وتارةً اسمه بروتاجوراس، وتارةً اسمه ابن عربي، وتارة اسمه كارل ماركس، وتارةً اسمه محمد عبده، وتارة اسمه ملك سيام، وتارةً اسمه جمال الدين الأفغاني، وتارةً اسمه فرنسيس بيكون، وتارة اسمه أبو بكر الرازي، وتارةً اسمه جبران، وتارة اسمه فرج فودة، وتارةً اسمه برتراند راسل، وتارة اسمه الوليد ابن رشد، وتارةً اسمه مارتن لوثر، وتارة اسمه الخوارزمي، وتارةً اسمه طه حسين، وتارةً اسمه السهروردي، وتارةً اسمه جلال الدين الرومي، وتارةً اسمه سبينوزا، وتارةً اسمه شمس الدين التبريزي، وتارةً اسمه چون لوك، وتارةً اسمه كوبرنيكوس،  وتارةً اسمه ديكارت، وتارة اسمه ابن الفارض، وتارةً اسمه مهاتير محمد، وغيرها كثير الأسماء.

هذا الرجلُ خصيمُ الجهل، وخصيمُ التجارة الكذوب، وخصيمُ الارتزاق باسم السماء. لهذا اختصمه كلُّ زائف، وكرهه كلُّ جهول، ومقته كلُّ متاجر باسم الله، وبغضه كل من يرتزق على الغافلين. اجتمعت عُصبةُ الشر في كهفهم المعتم يتآمرون ضده لأنه العدو الذميم والخطر المقيم.

هو لم يقاتلهم، فهو لا يعرف القتال. ولم يشهر سيفًا في وجوههم؛ فهو لا يحمل سيفًا ولا خنجرًا. كل ما لديه مصباحٌ صغير غزيرُ الضياء، يحمله في يمناه، أشهره أمام عيونِهم. فآلمتهم عيونُهم، وأوجعتهم عقولُهم. ذاك أن عقلَ المتعصّب مثل حدقة العين، كلما زاد الضوءُ المسلّط عليه، زاد انكماشُه وضيقه؛ كما قال أوليفر هولمز.

جميعُنا قتلنا ذلك الرجل حامل المشعل والمرآة، لأنه أشهرَ في وجوهنا مرآته ونحن لا نريد أن نرى قبحنا ودمامتنا

أعشى عيونهم وهجُ المصباح، فوضعوا أكفَّهم فوق مآقيهم ليحجبوا الضوء. وما أن رفعوا الأكفَّ عن العيون حتى وجدوا صفحة المرآة العاكسة في يد الرجل مصوبةً نحو أبصارهم. شاهدوا قبحهم فجفلوا وارتعبوا. هاجوا وماجوا وضجّوا وصخبوا وأرغوا وأزبدوا. هددوا وتوعدوا، ثم أشهروا السيوفَ.

ما كان الرجلُ الأعزل ذو البصر والبصيرة والعقل المثقف ليحتاج أكثر من طعنة صغيرة في القلب حتى يسقط مضرجًا في دمائه ليُريح ويستريح. لكن الغلاظ لم يرضوا بغير أن يذيقوه من العذاب بقدر ما أذاقهم من التنوير. فراحوا يمزقون ملابسه ويجلدونه، وراحوا يضربونه فوق رأسه بالكتب التي كتبها حتى فقد البصر، وراحوا يصلبونه على عمود خشبي، وراحوا يقطّعون أطرافه، وراحوا يحرقونه، وراحوا يسملون عينيه، وراحوا يضربونه بالرصاص، وراحوا يشنقونه، وراحوا ينشرونه بالمناشير، واستخدموا من كل عصر ما أتاحت لهم صنوفُ العذاب والويل والتنكيل والإهانة.

مات الرجلُ ألف مرةٍ ومرة. وفي كل مرّة كان لسانُه يلهج بآخر ما جادت به الكلمات: “يا ربُّ جوهرُ علمٍ لو أبوحُ به/ لقيل لي: أنتَ ممن يعبد الوثنَا/ ولاستحلًّ رجالٌ مسلمون دمي/ يرون أقبحَ ما يأتونه حسنًا.”

جميعُنا قتلنا ذلك الرجل حامل المشعل والمرآة، لأنه أشهرَ في وجوهنا مرآته ونحن لا نريد أن نرى قبحنا ودمامتنا.

قتلناه وهو يردد بلسان الأفغاني: “ملعونٌ في دين الرحمن:  مَن يخنق فكرًا، مَن يرفع سوطًا، مَن يُسكِت رأيًا، من يبني سجنًا، من يرفع راياتِ الطغيانْ.  ملعونٌ في كلِّ الأديانْ: مَن يهدرُ حقَّ الإنسانْ، حتى لو صلَّى أو زكّى وعاش العمرَ مع القرآنْ.”

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *