×
×

سناء العاجي: بين إيطام وإيران، حين يصير الحجاب إيديولوجية فاشية

في فرنسا، تقدمت فتاة محجبة بطلب عمل لمسؤولة محل تجاري، تابع لعلامة معروفة تبيع الملابس الداخلية النسائية وقمصان النوم الـ sexy. مسؤولة هذا المحل ارتأت أن حجاب الفتاة لا يناسب …

في فرنسا، تقدمت فتاة محجبة بطلب عمل لمسؤولة محل تجاري، تابع لعلامة معروفة تبيع الملابس الداخلية النسائية وقمصان النوم الـ sexy. مسؤولة هذا المحل ارتأت أن حجاب الفتاة لا يناسب العمل في محل تجاري يبيع الملابس الداخلية، ورفضت طلب العمل الذي تقدمت به.

إثر ذلك، قامت الفتاة بحملة على تويتر تطالب فيها بمقاطعة العلامة التجارية المعنية. تضخمت القضية إلى أن قررت العلامة التجارية أن تقوم بتحقيق وأن توقف مؤقتا تلك المسؤولة.

طبعا، للأفراد أن يختاروا طبيعة لباسهم بشكل حر تماما… لكن هذا لا يمنع الشركات بدورها من أن تحدد نوعا معينا من اللباس، يتوافق مع طبيعة هويتها التجارية

في نفس الأثناء… في إيران، صدر ضد المحامية ناصرين سوتوداه حكم بالسجن النافذ لمدة 33 سنة و148 جلدة… لأنها حضرت إلى المحكمة بدون حجاب.

قضية المحامية الإيرانية وحدها رد موجع وواقعي، على كل أولئك الذين يتبجحون بكون الحجاب حرية شخصية، وكل من سيعتبرون أنه لم يكن من حق تلك المسؤولة الفرنسية عن المحل التجاري، رفض تشغيل الفتاة بدعوى أنها محجبة.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: الجذور التاريخية للحجاب

في الواقع، قضية هذه الفتاة المحجبة في علاقتها بالعلامة التجارية، تستدعي نقطتين أساسيتين للنقاش: النقطة الأولى تتعلق بالحادثة نفسها، والنقطة الثانية مرتبطة بسؤال الحجاب وحرية ارتدائه.

قد يصعب علينا حميعا أن نتصور دخول زبونة لمحل يبيع الملابس الداخلية وقمصان النوم المغرية، لتجد فيها بائعة بحجاب إسلامي أو راهبة بلباس مسيحي؛ تماما كما يصعب علينا أن نتوجه لوكالة بنكية لنجد فيها فتاة تضع وشما كبيرا على ذراعها المكشوف وقرطا في أنفها وطلاء شفاه أسود، وتصبغ شعرها باللون الأحمر.

كذلك، سيكون من واجبنا أن نتحلى ببعض الموضوعية لنعترف بأنه، في محل لبيع ملابس النساء المحجبات، لن يتم بتاتا القبول بطلب عمل فتاة بملابس قصيرة وقميص يكشف عن فتحة نهديها!  كما يصعب أن نتخيل أن بنكا إسلاميا سيشغل مسيحيا يضع صليبا كبيرا على عنقه.

قضية المحامية الإيرانية وحدها رد موجع وواقعي، على كل أولئك الذين يتبجحون بكون الحجاب حرية شخصية، وكل من سيعتبرون أنه لم يكن من حق تلك المسؤولة الفرنسية عن المحل التجاري، رفض تشغيل الفتاة بدعوى أنها محجبة.

طبعا، للأفراد أن يختاروا طبيعة لباسهم بشكل حر تماما… لكن هذا لا يمنع الشركات بدورها من أن تحدد نوعا معينا من اللباس، يتوافق مع طبيعة هويتها التجارية.

أعتبر قرار الشركة بتوقيف المسؤولة مؤقتا، خضوعا غير مبرر لديكتاتورية المواقع الاجتماعية والهاتشتاغات؛ ولديكتاتورية “النضال الإسلاموي” من أجل فرض الحجاب. كما يبدو لي من متابعة حساب الفتاة المعنية على التويتر أن تصرفها لم يكن عفويا، كأي فتاة تبحث عن عمل؛ بل لعله في الغالب مقصود لإثارة هذه الضجة حول الحجاب. نوع من “النضال الإيديولوجي” لصالح الحجاب.

… حجاب يتم تقديمه في الخطاب الإسلاموي كـ “حرية شخصية”، ليتحول تدريجيا، كما في حالة المحامية الإيرانية، إلى واجب مفروض تعاقب كل من تمارس “حرية” رفضه بالسجن والجلد!

هذا يصل بنا للنقطة الثانية التي تستدعي النقاش: قضية الحجاب نفسه.

اقرأ أيضا: الحجاب والإسلام – الجزء الأول

حكايات مثل حكاية الفتاة المحجبة مع العلامة التجارية، تجعلنا نتأكد من جديد أن الحجاب، في الواقع، هو أقرب للإيديولوجية منه إلى الحرية الشخصية.

لنتذكر فقط أنه، منذ بعض سنوات، تهجم رئيس الحكومة المغربية السابق، عبد الإله بنكيران، وهو بعد في المعارضة، على صحافية من القناة الثانية، ليس لأنها كانت ترتدي ملابس سباحة في البرلمان… بل فقط لأنها كانت ترتدي تي شورت بنصف كم، وهذا ما لا يتعارض مع طبيعة عملها كـ “كاميرا وومن”.

من واجبنا أن نتحلى ببعض الموضوعية لنعترف بأنه، في محل لبيع ملابس النساء المحجبات، لن يتم بتاتا القبول بطلب عمل فتاة بملابس قصيرة وقميص يكشف عن فتحة نهديها!

وهو وزير في الحكومة السابقة، تهجم الوزير الإسلامي الحبيب الشوباني على صحافية أخرى لم ترقه ملابسها، وطردها من البرلمان.

اليوم، في  إيران، تصدر أحكام قاسية ضد النساء اللواتي لا يضعن الحجاب. في السعودية أيضا والباكستان، يفرض الحجاب بالقوة. في اليمن، يتعذر كثيرا على النساء اختيار حرية عدم ارتداء الحجاب… في المغرب ومصر، تتعرض النساء اللواتي يخترن خلع الحجاب لعنف معنوي رهيب… ومع ذلك، مازال البعض يصر على أن الحجاب “حرية فردية”.

اللهم إذا كان دعاة الفاشية الدينية يعتبرون أن الحرية الشخصية لا تتوافق إلا مع الاختيارات الإيديولوجية الإسلامية؟ حرية… بالإكراه!

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها – الجزء الثاني

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *