×
×

من مصر. ماجد سنارة يكتب: العلمانية… الشبح الذي يؤرق التنظيمات الإسلامية

العلمانية والدين منحا الحرية في اختيار العقيدة، لكن التنظيمات الدينية تحاول مصادرة هذه الحرية حتى لا تفتقد لدور الوصاية على المتدينين وتبعيتهم لهم، وبالتالي يسقط طموحهم في العودة من جديد لسدة الحكم…
هم يريدون الكرسي لا الله، السلطة لا الدين. لكن، كما يقول المثل الشعبي المصري: “عشم إبليس في الجنة!”.

كثيرا ما توجه أسهم النقد من غالبية الناس في المجتمعات الإسلامية نحو العلمانية، بإعتبارها سبيل هدم للدين، واختزالها في الأمور التي ترفضها هذه المجتمعات بشكل عنيف (كالجنس أو شرب المواد الكحولية)، كما يحدث كثيرا أن يتم الخلط بينها وبين الإلحاد… هذه المخاوف تبعث على الرثاء، لأنها تعبر عن مفهوم سطحي للعلمانية، وأيضاً لكونها نابعة من فكر منغلق يرفض الانفتاح على الآخر، أو الاستفادة من منجزاته وأيديولوجياته التي صنعت التقدم والازدهار.

العلمانية هي فصل الدين عن الدولة بمفهومها البسيط والشائع، حيث تقوم على أساس أن الدولة ليس لها الحق في إجبار مواطنيها على اعتناق دين معين، وأن هذه الدولة لا تستمد قوانينها وتشريعاتها من دين محدد، حتى تخدم تلك القوانين مصالح الدولة وأفرادها دون الانحياز لطائفة على أخرى. هذا بالإضافة لكون القوانين الوضعية قابلة للتطور والتبدل والتغيير على حسب مقتضيات كل عصر لاتسامها بالنسبية الصوابية، على عكس القوانين الدينية التي تحمل أحكاماً مطلقة، يصعب تطويرها أو إعادة تأويلها.

إقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: الفرق بين العلمانية والإلحاد الرسمي وتأميم الدين

المغالطة الكبيرة الذي تحاول التنظيمات الإسلامية تصديرها للعامة، هي كون العلمانية منهجا شيطانيا، هدفه تقويض أركان حكم الله. إنه ضرب من الجنون، لأن حكم الله لا يعني إلا حق كل إنسان في اختيار طريقه، الإيمان بوجوده أو الجحود به، السير في سبيله، أو مخالفة طريقه… وهذا بالتحديد هو ما تنادي به العلمانية: حرية الاعتقاد، لأن فرض الجبرية على أي إنسان في أمر لا يخص إلا العبد بالرب هو نوع من الإرهاب، حتى وإن حاول البعض إلباسه ثوباً مقدساً!

دولة… على دين حاكمها!

تعتمد التنظيمات الإسلامية على تصدير الشريعة وتطبيق الحدود كسبيل لخلاص الإنسان وتقدم المجتمع، وتعتبر أن التخلي عنهما سبب السقوط، وكأن الفشل والجمود والاستبداد في عصور دول الخلافة المتعاقبة وأنهار الدماء المراقة على امتداد التاريخ الإسلامي، لم تكن في ظل تطبيق الشريعة وتفعيل الحدود!

على مر التاريخ الإسلامي، كانت هناك العديد من أشكال الاختلاف في فهم مقاصد وأحكام الشريعة وتأويلاتها، ما بين المذاهب السنية والشيعية والإباضية. كل فرقة من هؤلاء تختزل “الحقيقة” في فهمها وتفسيراتها وتأويلاتها للشريعة، وأنها لا غيرها هي “الفرقة الناجية من النار”. هذا بالضرورة أدى وسيؤدي إلى استحالة خروج مشروع موحد لقيام دولة بكافة مؤسساتها وأحكامها وقوانينها تنال تأييد ورضا كل التيارات (هذا إن افترضنا إمكانية إنشاء دولة إسلامية).

من يحاول إجبار الإنسان على السير في طريق لا يريده، إنما يفتئت على دور الله في الكون، لأنه لو أراد لآمن جميع من في الأرض.

بالتالي، قد ينتج عن هذا كمٌّ كبير من التناحر والاقتتال، مثلما حدث في كثير من حوادث التاريخ الإسلامي بدءً بالخوارج في خلافة علي بن أبي طالب حتى وصلنا لمرحلة الدواعش. ببساطة، لأن الفرقة التي ستعترض على الحكم، ستتهم النظام بتبديله للدين وتحريفه؛ بالتالي وجب قتاله…. وهذا ما يبرر فشل الأنظمة الإسلامية في غالبية الدول التي وصلت فيها لسدة الحكم، ليس فقط اليوم بل عبر القرون السابقة أيضا.

اقرأ أيضا: حسين الوادعى: القتلون باسم الله

تاريخياً، الدولة كانت على دين حاكمها في الإسلام. مصر كمثال حكمها الشيعة الإسماعيلية في عهد الفاطميين، والسنة الأشاعرة في عهد صلاح الدين والأيوبيين، والاعتزال كان منتشراً في ولايات الدولة العباسية في عهد المأمون، مروراً بالسنة بالصبغة الصوفية خلال حكم العثمانيين للعالم الإسلامي.

في تأويل الحدود…

من ضمن العوائق في إطار الشريعة، نجد أيضا مسألة الحدود، إذ أن أي عقوبة، الهدف منها الردع والإصلاح. في بداية الدولة الإسلامية، كانت مساحة هذه الأخيرة محدودة. من جهة أخرى، فإن العقوبات التي كانت تطبقها كان معمولاً بها قبل ظهور الرسالة المحمدية، فحد السرقة كان معروفاً في الجاهلية، وأول من عمل به الوليد بن المغيرة، ومن أمثال من قطعت أيديهم في الجاهلية، عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم. كما أن حد الزنا، سبقت التوراة به الإسلام، كما هو منصوص عليه في سفر التثنية… الرجم حتى الموت!

إقرأ ايضا: هذه حكاية فرج فودة… رائد الجيل الثاني للفكر التنويري في مصر

هذه الحدود قابلة للتطور، خصوصاً أن السجون لم تعرفها الدولة الإسلامية قبل الإمام علي، بالإضافة أن عمر بن الخطاب عطل حد السرقة في عام الرمادة 18ه، كما أسقط سهم المؤلفة قلوبهم رغم صراحة النص القرآني في مسألة توزيع الزكاة، وأسقط أيضاً خمس الخمس لذوي قربى الرسول باجتهاد شخصي، بحجة أن قريش كلها ذوي قربى رغم أنها واضحة في تقسيم الغنائم… فهل هذه الأفعال، من خلال فكر التنظيمات الإسلامية، تبديل للدين وتخرج الفاروق من الملة، أم أنها تكييف للنص القرآني على حسب مقتضيات ومتغيرات الزمن المعاش؟!

إن عقوبات مثل الرجم وقطع اليد تعرضت للتطور، مثل طريقة الإعدام كالتوسيط وإلقاء المذنبين للأسود والحرق بالنار والمقصلة والرمي بالرصاص وصولاً بالإعدام بالمشنقة أو إلغاء العقوبة في بعض البلدان، فالمجتمعات البشرية تهتم بإعادة تأهيل الإنسان، لا إراقة دمه لخطأ بشري مهما كان فادحا، لأن هذا سيؤدي إلى هدم البشرية؛ خاصة أن بعض هذه الحدود، طبقاً لعلم النفس والاجتماع، تتسبب في نتائج كارثية في اغتراب الفرد عن مجتمعه وشعوره بالدونية لأنه يحمل وصمة عار تلاحقه من خلال العضو المبتور أو علامات العذاب التي تظل على الجسم كذكرى للخطيئة وما ينتج عنه من شعور بالذنب طوال الوقت.

الفرقة التي ستعترض على الحكم، ستتهم النظام بتبديله للدين وتحريفه؛ بالتالي وجب قتاله…. وهذا ما يبرر فشل الأنظمة الإسلامية في غالبية الدول التي وصلت فيها لسدة الحكم

من ناحية أخرى، تكمن الخطورة في تهيئة الفرد للعودة لممارسة الفعل: “أنا موصوم بفعلي أمام الناس مدى الحياة، فما الذي يمنعني من معاودة الخطأ”… هذا بالإضافة إلى الأضرار التي ستلحق بالأسرة التي يعيش في كنفها، والتي ستعاير طوال الوقت بالفعل المعيب.

كما أن فرصة الدمج من جديد في الجماعة البشرية تصبح شبه مستحيلة، لأن المذنب سيتم حصره في الأعمال الحقيرة مهما كانت إمكانيته، كما أن العمل بيد واحدة في حالة السارق ستتطلب جهداً مضاعفاً. الأخطر من ذلك نظرات الناس التي ستذكره دوماً بالجريمة، وهذا إلى حد كبير ما عبر عنه الروائي فيكتور هوجو من خلال شخصية “جان فالجان” في رائعته الخالدة “البؤساء”… يقول السيد المسيح مدافعاً عن امرأة زانية “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”.

إقرأ لنفس الكاتب: اقتلوهم… إنهم مرتدون!

فالله منح الإنسان حرية الاختيار. هذا يعني أن يكون الإنسان على مسافة متساوية ما بين الفضيلة والرذيلة، بين الخمارة والمسجد، ويختار هو بإرادته إن كان سيجرع كأس خمر أو يسجد لله في رحاب المسجد (الاختيار المرتبط بالاقتناع العقلي والإحساس الوجداني)… لكن من يحاول إجبار الإنسان على السير في طريق لا يريده، إنما يفتئت على دور الله في الكون، لأنه لو أراد لآمن جميع من في الأرض.

لكن التنظيمات الإسلامية تريد مزيدا من الأتباع كسبيل لإرضاء الذات وطمأنة النفس أن طريقهم هو الصواب. لهم الحق في هذا الطموح المشروع، لكن يتوقف هذا الحق حين محاولة الإجبار، سواء بالقول، الفعل، أو حتى الإشارة.

العلمانية والدين منحا الحرية في اختيار العقيدة، لكن التنظيمات الدينية تحاول مصادرة هذه الحرية حتى لا تفتقد لدور الوصاية على المتدينين وتبعيتهم لهم، وبالتالي يسقط طموحهم في العودة من جديد لسدة الحكم، فهم يريدون الكرسي لا الله، السلطة لا الدين. لكن، كما يقول المثل الشعبي المصري: “عشم إبليس في الجنة!”.

 

المصادر:

# سنن الترمذي…محمد بن عيسى الترمذي

# أضواء البيان… الشنقيطي

# تفسير القرطبي… شمس الدين القرطبي

# عبقرية عمر… عباس محمود العقاد

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *