×
×

في الإخضاعِ بالذرائعِ والعناوينِ الكاذبة؟ وما حَك جلدُنا غير ظفرنا!

محمد الفرسيوي

في حربِها على الفيتنام مثلاً، تذرعتْ أمريكا في منتصف ستينيات القرن الماضي بإغراق الثوار الفيتناميين لباخرتين حربيتين أمريكيتين… واستناداً لهذه الذريعة، كثفتْ أمريكا من القصف الجوي الوحشي على شمال الفيتنام خصوصاً، ممهدةً لاحتلال الفيتنام بحوالي 500 ألف جندي أمريكي، اِنضافواْ إلى قواتٍ من دولٍ تابعةٍ أخرى وإلى قواتِ جنوب الفيتنام العميلة…

هكذا، خلفَ هذا العدوان وراءه وتحت هذه الذريعةِ المصطنعةِ أو الكاذبة، بعد التحرير والجلاء وانتصار الفيتناميين والفيتناميات على العدوانِ والاحتلالِ الأمريكي، ما يفوق أربعة ملايين من القتلى، وملايين أخرى من المعطوبين والجرحى، وتدميراً شاملاً للبلاد…

بعد 40 سنة تقريباً على هذه الجريمة، قالتْ أمريكا؛ إن الفيتناميين لم يغرقواْ أبداً أي باخرة…! وإنه لم تكنْ أصلاً أي باخرةٍ أمريكية في خليجِ تونكن آنذاك…!

يكشفُ التاريخ القريب، أن الدول التي تبدأُ نشأتُها، ويبدأُ تاريخُها بالقتلِ والغصب، وبالإبادة  أو تشريدِ الشعوب الأصلية، كما هي حقيقة أمريكا مع شعوب الهنود الحمر وإسرائيل مع الفلسطينيين… أن مثل هذه الدول، لا يمكن أنْ تصنع السلامَ يوماً

في 2003، كمثالٍ آخر فقط، اِحتلتْ أمريكا دولةَ وشعبَ العراق بذريعة امتلاك بلاد الرافدين لأسلحة الدمار الشامل، وقامتْ بتدمير العراق تدميراً وحشياً فظيعاً، ناهبةً خيراته، قاتلةً الآلاف من البشر وأكثر من 500 عالمٍ من ثروته البشرية، مشردةً الملايين من شعبِ العراق، مدمرةً لحضارته ونسيجه الاجتماعي والثقافي، ومُصادِرةً لسيادته ولمستقبله أيضاً…

إقرأ لنفس الكاتب: مَنِ السابقُ ومَنِ اللاحق؟ الرأسمالية أم القُمامة و”سراقْ الزيتْ”؟

 بعد أقل من عقدٍ من الزمن على هذه الجريمة النكراء، قالت أمريكا؛ إن العراق لم يكن يملك شيئاً يُذكر من أسلحة الدمار الشامل…!

هذه مجردُ أمثلةٍ محدودةٍ جداً، وهي غيضٌ من فيضٍ كما يُقال، سيما أنها ذات الذرائع المصطنعة الكاذبة التي استعملتها  أمريكا ومَنْ معها أو حاولتْ استعمالها في سورية مثلاً… فمن ذريعةِ تقديمِ الدعمِ لما سُمي بثورات الربيع العربي أو ما صار يُعرفُ بالجولة الأولى من الثوراتِ الملونة في المنطقة العربية، إلى ذريعةِ استعمالِ الدولة السورية للسلاحِ الكيماوي، إلى ذريعة حماية الأقلياتْ من الأكراد ومسرحيةِ “الخوذ البيضاء” أيضاً…؟

مرةً أخرى، يكشفُ التاريخ القريب لكل العالم وللناس جميعاً، أن الدول التي تبدأُ نشأتُها، ويبدأُ تاريخُها بالقتلِ والغصب، وبالإبادة  أو تشريدِ الشعوب الأصلية، كما هي حقيقة أمريكا مع شعوب الهنود الحمر وإسرائيل مع الفلسطينيين… أقولُ إن مثل هذه الدول، لا يمكن أنْ تصنع السلامَ يوماً، ولا يمكن أنْ تتركَ الدولَ والشعوبَ الأخرى تعيش بسلامٍ وفي سلام، ما دام العدوان يجري تاريخاً من الدماءِ والأطماعِ والطغيان في شرايين أنظمتها، وفي رؤوسِ صناع القرار والحروب والمآسي الذين يحكمونها…

يكشفُ هذا التاريخ أيضاً، لكل العالمِ وللبشريةِ كلها، يوماً على صدرِ يوم، حجمَ الكذبِ والمظالمِ والنفاقِ والطغيان الذي يواصلُ الغرب بقيادة أمريكا والصهيونية إعادةَ إنتاجه في القرن 21، تحت الذرائع المصطنعة أو العناوين الكاذبة، من قبيلِ حمايةِ الديموقراطية وحقوق الإنسان والبيئة أو محاربة الإرهاب والفساد أو نشرِ التنمية والحداثة أو عملياتِ الغوث والشراكات والمساعدات والتمكين…

هل تقوى أوطاننا على البقاء، إنْ لم تستكمل التحرير، وإنْ لم تنجزْ مهام التحرر من الأطماعِ الخارجية ومن الاعتماد على الغير، وإنْ لم تعززْ استحقاقات التحرير والتحرر ببناء الدولة الوطنية الديموقراطية القادرة على إطلاق ثورات الإبداع والابتكار والاختراع والتقدم والازدهار…؟

إن الشعوب المستضعَفة في البلدان المستضعَفة إلى حين، وفي الأزمنة الرديئة تحديداً، غالباً ما تفقد البوصلة، مثلما قد يختلطُ عليها وأمام أبصارها في مثلِ هذه الظروفِ والملابساتِ التاريخية القاسية، في حالةِ العطشِ مثلاً، السرابُ بالماء، وكذا الربيعُ بالحافةِ أو الخريف…! بيد أنها ما تلبثُ أنْ تستفيقَ من خدرِ الوهمِ مهما كانتْ فعاليةُ التخدير أو التبنيج قويةً طويلة… خصوصاً عندما تَعْلم وتُعَلم، أن إنجازَ مهام التحرير (من الاحتلال والتدخل الأجنبي) يعقبه بالضرورةِ وبالنتيجةِ معاً، إنجاز مهام التحرر (من إملاءات وتدخلات الخارج).. وإن إنجازَ مهام التحرير والتحرر لا ينفصلُ أبداً، عن إنجازِ مهامِ تشييدِ وبناءِ دولةِ الحق والقانون والحرية والتقدم والازدهار…

إقرأ أيضا: في الذكرى الـ40 للثورة الإيرانية: ثورة إسلامية أم ثورة… أمريكية؟

   هل أنجزتْ دول منطقتنا مهامَ التحريرِ كلها؟ هل أنجزتْ بعضاً من مهامِ التحرر الوطني؟ وهل يمكنُ إنجازُ مهام بناءِ الدولة الديموقراطية أو الدولةِ الحديثة القوية، من دون إنجازِ كل مهامِ التحرير والتحرر الوطني؟ وهل تقوى أوطاننا على البقاء، إنْ لم تستكمل التحرير، وإنْ لم تنجزْ مهام التحرر من الأطماعِ الخارجية ومن الاعتماد على الغير، وإنْ لم تعززْ استحقاقات التحرير والتحرر ببناء الدولة الوطنية الديموقراطية القادرة على إطلاق ثورات الإبداع والابتكار والاختراع والتقدم والازدهار…؟

إنني هُنا والآن، أتساءلُ فقط، وأحلمُ كعادتي…! وها أنتم وأنتن ترون، هنا والآن، أنني لم أُشِرْ إلا من بعيد لما يجري في فنزويلا أو مع إيران…!؟  أما معركةُ بناءِ الأوطان، فتبقى في البدءِ كما في المُنتهى، معركةَ أقوياءِ النفوس… وما حك جلدَنا غير ظفرنا.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *