×
×

أصل الدولة استقرار…أصلها تدجين حمار

هو مصنف/ كتاب ودراسة من 345 صفحة لشاب في مقتبل العلم والحياة. عنونه بـ “المقدمة ـ الأقلية المتحكمة بالمغرب “… كتاب “هدام” لكل القوالب وكل المسلمات؛ فمنذ الكلمة الأولى، يفتح …

هو مصنف/ كتاب ودراسة من 345 صفحة لشاب في مقتبل العلم والحياة. عنونه بـ “المقدمة ـ الأقلية المتحكمة بالمغرب “… كتاب “هدام” لكل القوالب وكل المسلمات؛ فمنذ الكلمة الأولى، يفتح مراكشي نيرانه على يقينيات عديدة بدأها في الصفحة 7:

“لقد أخطأ طوماس هوبز حينما اعتبر الإنسان عدو أخيه الإنسان… “، ليشهر كفره في الصفحة الحادية عشرة بصوت جهور: “أنا كافر أقولها وأصدح بها بصوت جهور. نعم أنا كافر بمجوعة من الممارسات التي رسخت في وجداني كقيم ينبغي الاستسلام لها والتسليم بها كحقائق مطلقة”، فمنذ البداية يبدو إبراهيم مراكشي عازما على هدم قلاع يقينيات سكنت مدرجات كليات الحقوق.

قد نتفق ونختلف في تفاصيل عدة، لكني أكاد أجزم أن هذا الكتاب سيؤسس كما يريد صاحبه لمرحلة جديدة في التأليف الجامعي. فالشك منهجه ولا يقينيات، لأنه، وهو يؤسس لما يعتبره نظرية لأصل نشأة الدولة ومعها الأقلية المتحكمة، ستجده يحرض عليها بالشك فيها والعمل على تمحيصها قبل القبول بها.

حراس مخازننا بالأمس، صاروا أسياد الأقوام؛ بينما عبيد الأمس، لا زالوا عبيدا. أما الحمار، والذي على ظهره شيدت البشرية أمجادها، أصبح سبة.

من منا، نحن طلبة كليات الحقوق، لم يحفظ عن ظهر قلب تلك النظريات المفسرة لأصل نشأة الدولة؟ بداية بنظرية الحق الإلهي، حيث  المباشر منها وغير المباشر، حيث الحاكم “إله”  أو “ظل إله”، مرورا بنظرية التطور العائلي، حيث الحاكم أب لعائلة هي الشعب أو لشعب هو العائلة، ونظرية القوة حيث الغلبة للأقوى، وصولا إلى نظريات العقد الاجتماعي باختلاف الأسس التي استند إليها كل من لوك وهوبز وروسو، وصولا إلى نظرية التطور التاريخي…

مع مراكشي في مقدمته، لا علاقة لنشأة الدولة ومعها الأقلية المتحكمة، للآلهة وتفويضاتهم ولا ذئاب هوبز ولا تعاقدات روسو.

إقرأ أيضا: من نيويورك. هشام الرميلي يكتب: …إنهم يحتفون بالموت

لقد عمل على صياغة نظرية قديمة جديدة حتى نكون منصفين لمن سبقوا. أصل نشأة الأقلية المتحكمة استقرار كما عند ابن خلدون، لكن مراكشي أضاف أن أصل الاستقرار مرتبط بتدجين الحمار؛ الحمار كناية عن كل الحيوانات.

في فقرة عنونها بالمفتاح السحري أين يوجد، وهل الاعتذار للحمار واجب، يقول إبراهيم مراكشي وهو يجيب بتسلسل منطقي عن سؤال أصل نشأة الدولة: “نقطة تحول الإنسان عندما تمكن من ترويض بعض الحيوانات وتسخيرها لخدمته وفي مقدمتهم الحمار الوحشي. في واقع الأمر نحن مدينون بكل طوبة من حضارتنا لهذا الحيوان الذكي الذي فهم الإنسان وخدمه وتحمل ظلمه وجبروته وقسوته على امتداد آلاف السنين… لكن، بما أن الإنسان من صفاته التكبر ونكران الجميل، فقد كال لهذا الحيوان الأليف أبشع الصفات والنعوت، لدرجة تحولت صفة الحمار في مختلف الثقافات إلى شتيمة”. أي جحود أكثر من هذا؟؟

يربط إبراهيم مراكشي بشكل سلس ومنطقي، بين تدجين الحيوان واستقرار الإنسان الذي أدى به إلى اكتشاف الزراعة، ومنها إلى الرغبة في تخزين المحصول… فكان المخزن “المكان”، نعم المخزن المكان هو أصل المخزن… هذا الذي يحكم الآن.

كيف ذلك؟

الخطوة الأولى في نظر ابراهيم مراكشي، التي منها ظهرت الأقلية التي تحكمنا وتحكم العالم من حولنا، هي “النظام الجماعي للتخزين”. فلحراسة المخزون، لابد من “حارس” للمَخزن المكان. مع تطور الحياة وارتفاع المحاصيل، كان لابد للحارس من معاونين… وهكذا دواليك. من حمار مدجن إلى استقرار إلى زراعة… ثم حارس فمعاونين، حتى وصلنا لحرس للحارس الذي أصبح ملكا بحاشية تحرسه. فهو الحارس المحروس.

هناك ارتباط وثيق بين تدجين الحيوان واستقرار الإنسان الذي أدى به إلى اكتشاف الزراعة والرغبة في تخزين المحصول… فكان المخزن “المكان” هو أصل المخزن… هذا الذي يحكم الآن.

قد يكون تلخيصا مبسطا. لكن كتاب “المقدمة الأقلية المتحكمة”، لم ينطلق من فراغ، ولا يتحدث عن الأقلية المتحكمة بالمغرب فقط، بل هي أقلية ممتدة عبر العالم، نظامها موحد وآلياتها تتشابه، إن لم نقل هي نفسها.

فهي أقلية ضاربة جذورها في التاريخ البعيد… البعيد جدا. لذلك نجد المؤلف، لتأصيل كل فكرة، يعود إلى الماضي. فسند كل الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نحياها، موجود في أصل نشأة الأقلية المتحكمة. نظام الرق على سبيل المثال لا الحصر، ضارب في القدم لا جدال، لكنه مستمر وممتد في حاضرنا.

إقرأ لنفس الكاتب: … في عشق الجلاد

يقول مراكشي في صفحة 55: “في الواقع، من الخطأ الاعتقاد أن نظام الرق قد تخلصت منه البشرية. يمكن القول جوابا عن هذا السؤال، إن الأشخاص الذين تنتهك حقوقهم السياسية أو المدنية دون موجب حق، أو الذين لا تحترم حرية اختياراتهم السياسية أو الذين لا تتوفر لهم الظروف المساعدة لممارسة حقهم في الملكية أو غير ذلك من الانتهاكات، ما هم في الواقع إلا عبيد الأمس البعيد”.

ربط رهيب بين مآسي اليوم وجذور معاناة أجدادنا بالأمس.

فيا للغرابة! حراس مخازننا بالأمس، صاروا أسياد الأقوام؛ بينما عبيد الأمس، لا زالوا عبيدا. أما الحمار، والذي على ظهره شيدت البشرية أمجادها، أصبح سبة.

قراءة ممتعة وقد تكون لنا، في مرايانا، عودة لتفاصيل أخرى. فمقدمة ابراهيم مراكشي تغني عن خواتيم كائنات سياسية ملأت الوطن بهرجة وضجيجا، ولازالت… لكنها تجعجع بلا طحين.

إقرأ أيضا: حزب دولة… حرب وطن: ثم ماذا بعد أخنوش؟

تعليقات

  1. رضوان

    دوما متميز في الاختيار والتناول. دام لك التوفيق ومزيدا من التألق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *