×
×

محمد العلمي: الحياة بين قوسين

كثيرا ما نسمع عن تسمم الأطفال بسبب شرب بعض المواد الكيميائية الموجودة في المنازل (مواد التنظيف، حمض الكلوردريك…). في المغرب، وربما في بعض البلدان الأخرى، تخزن عادة هذه المواد في …

كثيرا ما نسمع عن تسمم الأطفال بسبب شرب بعض المواد الكيميائية الموجودة في المنازل (مواد التنظيف، حمض الكلوردريك…). في المغرب، وربما في بعض البلدان الأخرى، تخزن عادة هذه المواد في المطبخ  بالتحديد في الدرج الأسفل، وبلا قفل، حيث يمكن للطفل أن يصل إليها بسهولة.

هذا الطفل يدخل المطبخ و هو يتصوره مغارة علي بابا، فيبحث عن أثمن ما فيه وخاصةً تلك الحلويات الشهية التي لا تظهر إلا في المناسبات الخاصة. لكن ما لا يعرفه  الطفل المسكين أنها مخبأة بحرص، بعيداً تحت السرير في غرفة النوم أو أحد الأدراج المغلقة. هنا أود أن أسأل الأمهات: هل كيلوغرام من الحلويات أهم من سلامة أبنائكم؟ كيف تخفون ما يجمل الحياة ويحليها وتبيحون ما يدمر الحياة وينهيها؟

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: فضيلة من نوع خاص… لأخ من نوع خاص جدا (قصة واقعية)

هذا يذكرني بمفارقة أخرى نجدها في بيوتنا، وهي غرفة الضيوف. تلك الغرفة التي ننفق عليها المال الكثير ونبذل في ترتيبها الجهد الكبير، ثم لا نقربها ولا ندخلها ولو كنا في ضيق. كل ذلك من أجل ضيف لا ندري متى يأتي وإن كان سيأتي.  المشكل الأكبر هو أننا ننزعج حتى من استعمال هذا الضيف لها، فبعد مغادرته تبدأ تعليقات ربات البيوت :”لقد أفسدوا ترتيب الغرفة”، “لقد وسخ أطفالهم السجاد”…

أود أن أسأل الأمهات: هل كيلوغرام من الحلويات أهم من سلامة أبنائكم؟ كيف تخفون ما يجمل الحياة ويحليها وتبيحون ما يدمر الحياة وينهيها؟

الحقيقة أننا نكذب على أنفسنا بإدعاء الحفاظ على شيء من أجل الآخر،  فأنانيتنا المفرطة تولد حب تملك متوحش يجعلنا نرتبط بأشياء مادية ونسعى للمحافظة عليها بشدة لدرجة أن نحرم أنفسنا من التمتع بها  وتقاسمها مع من نحب، فنعيش في خوف من ضياعها  وحذر من فقدانها. للأسف، تنتهي أعمارنا و تبقى هي بعدنا لسنوات أو ربما لقرون.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: برتقال درقاوة، بركة الدراويش وبركة جدي

قد ينتقل هذا الحرص من الأشياء المادية كالأثاث والمجوهرات و المال، إلى أشياء حسية كأن نغلق قلوبنا مثلاً ونحرم عليها الحب مدعين أننا نحفظها لمن يستحقها؛ والحقيقة أننا نريدها أن تبقى لنا فنخاف عليها الألم والإنكسار، فنضيع لذة الحب وإحساس الضياع وحرقة الشوق ولهفة اللقاء ورهفة الفؤاد وجراح الفراق. نمنعها أن تتفتح وأن تكبر ونمنع أنفسنا من تذوق كل هذه الأحاسيس و عيشها؛ و إن كان فيها حزن و ألم، فهي ما يجعل الإنسان إنساناً.

لقد اخترعنا القوسين لنحاصر الأشياء الثانوية ونركز على المهم؛ لكننا أصبحنا نعيش بين قوسين وتركنا المهم.

الحياة ليست جنة كاملة، كلها لذات. وهي ليست جهنم حارقة كلها عذاب.  السيء هو عندما نقرر فتح القلب بعد الأوان، فنجد أننا قد أضعنا مفتاحه وأن بابه قد صدأ؛ كمن أحب قميصاً فخبأه لمناسبة جديرة. تتوالى المناسبات وهو يكنزه خوفاً عليه، وحين وتأتي المناسبة الموعودة، يجد أن مقاسه لم يعد مناسباً.

إن حب التملك المرضي يجعلنا نعمى عن جوهر الأشياء و الهدف من وجودها. خوفنا الهوسي من فقدانها يجعلنا نسجن أنفسنا معها فلا نخرج ولا نجازف بعيش الحياة كما هي بجوهرها وتفاصيلها وجزئياتها.

يجب أن نبتعد عن كل التعاريف والقوالب الجاهزة الموضوعة لكسلاء الفكر ونعيد صياغة تصورنا عن الأشياء وعن قيمتها وأهميتها ودورها، وأيضا تحديد المعنى الحقيقي للحياة والمتعة والسعادة والألم والحزن، ولوجودنا في هذا الكون؛ ففي النهاية سنجد أنفسنا أزلنا العديد من النظارات السميكة التي تعيق رؤيتنا للجمال المحيط بنا، وسنتحرر من قيود تغللنا وتمنعنا من الإنطلاق والإكتشاف والتحدي.

الحقيقة أننا نكذب على أنفسنا بإدعاء الحفاظ على شيء من أجل الآخر،  فأنانيتنا المفرطة تولد حب تملك متوحش يجعلنا نرتبط بأشياء مادية ونسعى للمحافظة عليها

سنكتشف أيضاً أننا نملك ما نريد أو على الأقل ما يلزمنا لننطلق ونصل لما نريد وأننا سنستمتع أكثر في الطريق لتحقيق الأهداف من لحظة الوصول إليها  وتحقيقها. هكذا، سنبقى في استمتاع دائم ونحن مستمرون في الطموح والتقدم؛ فكما يقال: متعة السفر أهم من هدف السفر.

لقد اخترعنا القوسين لنحاصر الأشياء الثانوية ونركز على المهم؛ لكننا أصبحنا نعيش بين قوسين وتركنا المهم.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: إفطار رمضاني

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *