×
×

#ألف_حكاية_وحكاية: ميسور، المنفى وعبد الرحيم بوعبيد

كانت الدراسة قد شرعت في بداية شهر شتنبر (أيلول) 1981. كنا تلاميذا جددا في الإعدادية وكنا تائهين في البناية الكبيرة، نحن الصغار الذين جئنا لتونا من المدرسة الابتدائية. في البيت …

كانت الدراسة قد شرعت في بداية شهر شتنبر (أيلول) 1981. كنا تلاميذا جددا في الإعدادية وكنا تائهين في البناية الكبيرة، نحن الصغار الذين جئنا لتونا من المدرسة الابتدائية.

في البيت أيضا كانت الأوامر متناقضة. أبي يسمح لي بالضراط أمام الجميع وأمي تلعنني حين أفعلها. أبي يقول إنه علينا أن نفطر في رمضان لأننا مجاهدون في الدراسة، وأمي تسبني كلما أفطرت.

كان كل شيء جديدا ويبعث على التوتر: تغيير القاعة بعد كل حصة وكثرة الأساتذة. كان هناك أساتذة كثيرون قد اعتقلوا في يونيو (حزيران) من نفس السنة. كنا قد شهدنا الانتفاضة وعرفنا جميعا ما تكون الكونفدرالية الديمقراطية للشغل التي دعت للإضراب. كانوا يضربون المتظاهرين بالهراوات الثقيلة. رغم المنع، خرجنا إلى الشارع الرئيسي في ميسور وشاهدنا الاعتقالات والضرب.

كانت هناك أشياء كثيرة تبعث على التوتر في المدينة، فالبوليس زاد عددهم وحركة غير اعتيادية تحدث في مركز المدينة. كنا نسمع إشاعات تقول إن عبد الرحيم بوعبيد مسجون في المعتقل وسط المدينة. لم نكن نعرف طريق المعتقل، لكننا كنا نفكر في المنفي وفي مدينتنا التي صارت منفى. كان عبد الرحيم بوعبيد منفيا داخل الأسوار ونحن كنا منفيين خارجها. حياتنا في ميسور كانت مملة: لا أندية، لا ملاعب ولا قاعات سينما. التسلية الوحيدة التي كنا نتوفر عليها هي التلفزيون الذي ننتظر بث الإرسال فيه بفارغ الصبر.

كان حجم نهدي والشأن الوطني هما هوسي في عالم لم أكن أعرف فيه أين مكاني

كنا نتقدم نحو المراهقة بأسئلة كبيرة: معنى الحياة والموت ومعنى وجودنا في مدينة يعتبرها النظام منفى. هل نسونا هنا؟ هل سيتذكروننا يوما بتدشين ملعب أو مسبح؟ هل سيجلبون بعض التجهيزات لدار الشباب؟ من هم هؤلاء الـ “هم”؟

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: في واحتنا مسلمون جدد

من جهتي، كنت أعتقد أن لا أحد يفكر في خلاصنا وأننا وحيدون. كنت وحيدة وسط أسرة مختلة لا تعترف إلا بالأب وطموحاته ومشاريعه ومشاكله. لم ينصت أحد إلى مشاكلي وأسئلتي الوجودية.

لم ينصت أحد إلى عبد الرحيم بوعبيد حين ألقى ملاحظاته بخصوص مسألة الإستفتاء في الصحراء، لهذا عاقبوه… لأنه غرد خارج السرب.

هناك خلل ما، فقد أدخل النظام اليسار السجن لدعوته إلى الإستفتاء ونفى عبد الرحيم بوعبيد لأنه لا يريد الإستفتاء. هناك خلل وشيء يبعث على الجنون في ذلك التناقض.

في البيت أيضا كانت الأوامر متناقضة. أبي يسمح لي بالضراط أمام الجميع وأمي تلعنني حين أفعلها. أبي يقول إنه علينا أن نفطر في رمضان لأننا مجاهدون في الدراسة، وأمي تسبني كلما أفطرت. كنت تائهة ولا أعرف على أي قدم أرقص أو أتصرف.

كنا نعرف أنه في الحياة، يجب السير على الطريق المستقيم. أن نقبل ما يقوله الآخرون. أن نعبد الله ونقدس الملك ونضحي من أجل الوطن. بالنسبة لنا نحن  البنات، كان يجب أيضا أن نحافظ على ما بين الفخدين.

اقرأ أيضا: من كندا، نبيل جميل سليمان يكتب: هناك فقدت عذريتي

كانت البنات في المدرسة قد بدأن يقعن في الحب. ليس حب الوطن بل حب آخر تتورد له الخدود وتبتل له  العيون بدمع لا كالدمع. كنت أشاهد ذلك الإنجذاب بين الفتيات والصبيان في الإعدادية وأتسائل هل سيحدث لي نفس الشيء. هل سأبكي وأشد الشعر ويصيبني السهاد؟

هناك خلل ما، فقد أدخل النظام اليسار السجن لدعوته إلى الإستفتاء ونفى عبد الرحيم بوعبيد لأنه لا يريد الإستفتاء. هناك خلل وشيء يبعث على الجنون في ذلك التناقض.

كنت لا أزال صغيرة على الحب. ثم إن موضوع المنفي كان قد استولى علي وصار كل تفكيري منصبا حوله. كيف يعيش داخل المعتقل؟ هل يعذبونه هناك؟ هل يعرف الملك أن الزعيم في المنفى؟ لايمكن للملك أن يسمح بذلك، لكنه سمح باعتقال أساتذتنا. هل الملك طيب كما يقولون في التاريخ أم أنه شخص جبار ذو انتقام؟ هل الله رحيم أم أنه قاهر؟ تساؤلات كثيرة كانت تتشابك في رأسي وتجعل تركيزي في الدراسة يفتر.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: إفطار رمضاني

لم أكن أعرف بعد أن هناك صنفا من العلوم سيهتم بأسئلتي وأنني سألتقي الفلسفة التي شكلت طوق نجاة لبنت لا تفتأ تتسائل عن الوجود حولها. كنت مزعجة بالنسبة لأمي، وكنت أكبر من سني بالنسبة لأبي، وكنت صغيرة بالنسبة للبنات في الإعدادية، حيث أنه لا بوادر أنوثة  ظهرت بعد في جسدي. لم أكن أجد مكاني مع الآخرين وكنت تائهة. كنت أفكر في المنفي وأنا أداعب نهدي الصغيرين وأشدهما كي يكبرا. كنت أريد نهدين كبيرين جدا، يتدليان وينظر إليهما الجميع ويقولون إنني بنت ناضجة.

حاولت  أن أحادث الصديقات عن المنفى، لكنهن استهزأن بي واعتبرن اهتماماتي رجالية. ما معنى الاهتمامات الرجالية والنسائية؟ هل هذا يعني أن النساء لا يعرفن أن هناك منفيا في مدينتنا وهو زعيم كبير؟ هل يعني ذلك أن النساء ليس لهن إلا المطبخ والغسيل كما تقول أمي؟ كنت أنتفض ضد تقسيم الاهتمامات ذلك، وأغوص مع الأولاد في حديث لا ينتهي حول المنفي وجديد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. كان حجم نهدي والشأن الوطني هما هوسي في عالم لم أكن أعرف فيه أين مكاني.

كنا وجودا هشا في ميسور: أنا بجسدي الواهن والمنفي بعزلته والمدينة التي تنام في فقر وتهميش منذ الأزل. كنا جميعنا نعيش غربة عن ذواتنا وعن قناعاتنا؛ ونستعد لكي نسحق داخل آلة دوارة تقتل الرأي الآخر وتقتل الرغبات. آلة اسمها الوطن.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *