×
×

أسماء بن العربي تكتب: أنت مغربي؟ لا تمرض من فضلك

قبل أسبوعين، تعرض والدي لوعكة صحية. اضطررنا لطلب سيارة إسعاف لنقله لإحدى المصحات الخاصة بمدينة الدار البيضاء. المفاجأة الأولى كانت هي عدم وصول سيارة الاسعاف إلا بعد خمسة وأربعين دقيقة، …

قبل أسبوعين، تعرض والدي لوعكة صحية. اضطررنا لطلب سيارة إسعاف لنقله لإحدى المصحات الخاصة بمدينة الدار البيضاء. المفاجأة الأولى كانت هي عدم وصول سيارة الاسعاف إلا بعد خمسة وأربعين دقيقة، وقت كافٍ ليتفاقم وضع المريض ويزداد سوءا، وقد يفارق، لا قدر الله، الحياة.

المفاجأة الثانية كانت حضور سائق الإسعاف وحيدا بدون مرافق، مما اضطرنا إلى مساعدته في حمل والدي ونحن لا نعلم إن كانت طريقة حملنا له سليمة أو  قد تزيد الوضع سوءًا.

كان سؤال الطبيب قبل أن يشرح لنا حالة والدي هو: “هل لديكم الإمكانيات المادية أم لا؟”

لم تنتهِ المفاجآت هنا، فعندما رافقت والدي في سيارة الإسعاف، اكتشفت إلى أي حد يستهتر بعض السائقين بحياة الناس، ولا يمنحون حق الأسبقية لسيارة الإسعاف التي من المفترض أنها تحمل حالة مستعجلة. إحدى السيدات اعترضت بسيارتها طريق الإسعاف؛ بل وأكثر من ذلك، أخرجت يدها من زجاج السيارة لتقوم بحركة قذرة. شخص آخر كان يقف بسيارته وسط الطريق بانتظار أن تركب والدته السيارة؛ وما كان منه إلا أن اعترض على تنبيه سائق سيارة الإسعاف ونزل من سيارته بكل هدوء وقال: “واش مرا كبيرة ماتطلعش” (ألا يمكنكم انتظار صعود امرأة منة للسيارة؟).

اقرأ لنفس الكاتبة: مناضلو الوسم

كنت أتمنى أن تنتهي المفاجآت هنا؛ ولكنها للأسف استمرت. لن أتحدث عن إجبارية وضع شيك بقيمة مالية تحددها المسؤولة في المصحة حسب الحالة، وقبل مباشرة العلاج؛ لأننا تعايشنا مع هذه الخروقات وأصبحت واجبة و”ممأسسة”، رغم أن القانون يمنع استعمال الشيك كضمانة.

لتسريع إجراءات الحصول على تأشيرة من أجل العلاج في أوروبا، عليك أن تحضر شهادة من طبيب يشتغل بإحدى المستشفيات الجامعية. الطبيب يرفض منحك هذه الشهادة بدعوى أن العلاج متوفر في المغرب

لم نأخذ موقفا من المستخدمة التي طلبت شيكا بمبلغ محترم، لأنها تنفذ ما يُطلب منها. لكن ما لم نستسغه، هو الطبيب الذي لم يحضر إلا بعد مرور أكثر من ساعتين، أخبرتنا خلالها الممرضة عشرات المرات بأنه في الطريق وسيحضر بعد دقائق. كان سؤاله قبل أن يشرح لنا حالة والدي هو: “هل لديكم الإمكانيات المادية أم لا؟”. تجاهلنا سؤاله واسترسلنا في الاستفسار عن المرض وما يلزم القيام به، فما كان منه إلا أن أعاد السؤال عن الإمكانيات مرة أخرى.

لا أعلم كيف يمكن لطبيب أدى قسم أبقراط وعاهد نفسه أمام الله وأمام الناس وأمام نفسه أن يخدم الإنسانية ويعالج المرضى، أن يعتبر الأمر تجارة ويتحدث في الماديات حتى قبل أن يعطي كامل المعلومات عن المرض ويجيب عن استفساراتنا ويقدر هلعنا وخوفنا.

اقرأ لنفس الكاتبة: لنقاطع الحج لعل مكة تعود

طبيب آخر يأخذ ثمن الفحص رغم أنه لم يرَ المريض، مكتفيا بالاطلاع على صورة من الملف، مرة على الهاتف ومرة أخرى من خلال الاطلاع على الملف الورقي مباشرة. وفي كل مرة، كان يأخذ التسعيرة كاملة، رغم أن الاستشارة لم تتجاوز دقائق قليلة. في نفس الوقت، حصلنا عن طريق صديق لأختي على إيميل طبيب في ألمانيا. تواصلنا معه، فأجاب في وقت وجيز وشرح لنا تفاصيل المرض. طبيب آخر في فرنسا سبق وأن عاين والدي منذ سنتين، يتابع الحالة عن طريق الواتساب ويجيب على كل الاستفسارات.

بل وأكثر من ذلك: لتسريع إجراءات الحصول على تأشيرة من أجل العلاج في أوروبا، عليك أن تحضر شهادة من طبيب يشتغل بإحدى المستشفيات الجامعية. الطبيب يرفض منحك هذه الشهادة بدعوى أن العلاج متوفر في المغرب، رغم اعتراف العديد من الأطباء بأن الإمكانيات هنا ضعيفة.

لهذا، فإذا كنت مغربيا، عليك أن تدعو ليلا ونهارا بأن يمتعك الله بسمعك وبصرك وكامل صحتك، وبأن يجعلها الوارث منك… فرغم أنك تدفع ضرائب كثيرة، فلن تحصل على تطبيب مجاني. وإذا اخترت العلاج في المستشفيات الخاصة، ستدفع أموالا طائلة مقابل خدمات ضعيفة ولا ترقى لما يستحقه مواطنو هذا الوطن.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *