سناء العاجي الحنفي: حين يوافق الزوج على اغتصاب زوجته من طرف الغير، فيمَ تهمّ موافقتها؟ - Marayana
×
×

سناء العاجي الحنفي: حين يوافق الزوج على اغتصاب زوجته من طرف الغير، فيمَ تهمّ موافقتها؟

في هذه القضية، نحن لا نواجه رجلًا “وحشًا” خارجًا عن المجتمع، بل فاعلًا استخدم موقعه داخل مؤسسة الزواج ليُحوّل جسد شريكته إلى موضوع سيطرة كاملة. الزوج هنا تحول لمجرم والزواج هنا تحول إلى سلاح سمح بأن يستغَلّ جسد الزوجة من دون علمها، كما لو كان ملكية خاصة.

زوج يخدر زوجته ويعرضها للاغتصاب على مدار عشر سنوات.

فيلم رعب حقيقي كانت ضحيته سيدة فرنسية. أمّ وجدة وزوجة سعيدة لأزيد من خمسين سنة.

بدأت الواقعة حين تم اعتقال الزوج يوم 12 سبتمبر 2020 بأحد الأسواق الكبرى في الجنوب الفرنسي، متلبسا بتصوير حميمية سيدات يتسوّقن. خلال التحقيق، صادرت عناصر الشرطة حاسوبه لتجد عليه أزيد من 200 فيديو مصنفة بعناية بالغة بتواريخ وأسماء مفصلة. محتواها؟ أزيد من 100 فيديو لزوجته وهي فاقدة الوعي بينما يغتصبها رجال مختلفون عددهم 92 (تمت محاكمة 51 منهم فيمَ لم يتم التعرف على الآخرين)، ومحادثات مع عشرات الرجال عنوانها الاغتصاب. حين استجوبتها الشرطة في بداية الأمر، تحدثت الضحية عن “زوج رائع، مهتم وحنون”، قبل أن تكتشف بنفسها الوقائع المرعبة.

كان الزوج يضع لها منوما في عشائها لمدة عشر سنوات، وكانت تستيقظ بصداع في الرأس وتشعر بتعب مزمن وبحالات فقدان الذاكرة لفترات قصيرة، فوضعت ذلك في خانة أعراض انقطاع الدورة الشهرية (ménopause).

الزوج كان قد فتح مجموعة تواصل على الأنترنيت (Forum) بعنوان: “دون علمها” (A son insu) كان عبرها يتواصل مع رجال ببروفايلات مختلفة (دركيون، موَصِّلو طلبات، ممرضون…) يستدعيهم لاغتصاب زوجته فاقدة الوعي ويصور كل ذلك بالفيديو.

عشر سنوات و92 رجلا لم يسائلوا أنفسهم بخصوص اغتصاب سيدة فاقدة للوعي، عن إرادتها وحميميتها وحقوقها. في المحكمة، رد بعضهم بالحجة التالية: بما أن الزوج كان موافقا، فهذا يعني موافقتها أيضا!

هذه ليست مجرد “فضيحة” بالمعنى المتداول، ولا حكاية استثنائية نرويها مصدومين. هذه الحكاية تكشف شكلا بالغ القسوة من العنف. عنف لا يُمارَس في الأزقة المظلمة من طرف مجهول، بل في الفضاء الأكثر حميمية ومن طرف أكثر الأشخاص قربا وثقة: البيت… والزوج.

الضحية لم تكن تعلم بما يحدث لها، وهذا ليس مجرد تفصيل هامشي. نحن أمام عنف يُمارَس بلا صراخ، وبلا مقاومة ظاهرة، وبلا تفاصيل قد تُنقِذ الضحية أو تخيف الجاني فيتوقف أو قد تستدعي المساعدة الخارجية. نحن هنا أمام عنف يستفيد من الثقة التي تتوفر طبيعيا في العلاقة الزوجية، ومن فكرة قديمة متأصلة مفادها أن جسد المرأة هو ملكية لزوجها يتصرف فيه كما يشاء.

كما أن الجريمة لم تكن فردية، بل جماعية، شارك فيه عشرات الرجال، بسابق معرفة بالسياق، وبوعي كامل وترتيب من المجرم الذي يفترض أنه الشريك، والزوج والأقرب. الأخطر من الجريمة نفسها، هو استمرارها، وانتظامها، ونجاحها في الاختباء خلف “الحياة العادية” وشبه المثالية لزوجين سعيدين يعيشان تقاعدها في مدينة صغيرة ولديهما أطفال وأحفاد. والأخطر أن لا واحدا من المغتصبين ساءل سلوكه وجريمته. كيف يمكن لعشرات الرجال أن يشاركوا في جريمة اغتصاب، دون أن يتوقف أحدهم ليسأل: “هل هذه المرأة موافقة على الممارسة الجنسية؟”.

هنا، لا يكفي أن نقول إن “القضاء قال كلمته” (حيث حُكِم على الزوج بالسجن عشرين سنة نافذة). العدالة ضرورية، نعم… لكنها غير كافية. لأن ما تفضحه هذه القضية هو فشل أعمق: فشل في التربية على الرضا والقبول (حتى في المجتمعات المتقدمة، حيث جرت الوقائع في فرنسا)، في فهم معنى الموافقة، في الاعتراف بأن الزواج لا يلغي الفرد، ولا يسلب الجسد حقه في الحماية. بأن جسد الزوجة ليس ملكا لزوجها وأن موافقته لا تعني موافقتها.

هذه القضية تُحرج الخطاب السطحي الذي يختزل العنف الجنسي في “لحظة اعتداء” أو “انحراف فردي” أو، كما عندنا، في ملابس الضحية ومكان وجودها. ما حدث هو عنف بنيوي، يستند إلى ثقافة ترى المرأة ككائن يمكن التحايل عليه، وتخديره، وإسكاته، دون أن يُعتبر ذلك جريمة في الوعي الجمعي، إلا حين تنفجر القضية إعلاميًا.

ونحن هنا في مرايانا، لا نستعيد تفاصيل الحكاية للتشهير، بل للتذكير. تذكير بأن العنف ضد النساء لا يكون دائمًا صاخبًا. أحيانًا، قد يكون هادئًا جدًا… إلى درجة أنه يعيش بيننا، سنوات طويلة، دون أن نراه.

لا تكمن خطورة هذه القضية في عدد المتورطين فيها، ولا في غرابتها الظاهرة، بل في بساطتها الاجتماعية. ما حدث لم يكن تحديا للنظام الاجتماعي، ولا للأعراف والعادات والتقاليد؛ بل تمّ داخل النسق الاجتماعي المقبول، وبأدواته، وتحت مظلته: الزواج، الثقة، والعيش المشترك.

في هذه القضية، نحن لا نواجه رجلًا “وحشًا” خارجًا عن المجتمع، بل فاعلًا استخدم موقعه داخل مؤسسة الزواج ليُحوّل جسد شريكته إلى موضوع سيطرة كاملة. الزواج هنا تحول إلى سلاح سمح بأن يستغَلّ جسد الزوجة من دون علمها، كما لو كان ملكية خاصة.

المحكمة وفرت للزوجة الحق في محاكمة سرية، لكنها اختارت العلن مصرَّة على أن “العار يجب أن يلحق به، لا بها”. خرجت للعلن وللإعلام لتطرح قضية الموافقة والقبول والرضا للنقاش. أتساءل: ماذا لو افتضحت واقعة كهذه في مجتمعنا، هل نتخيل كمية العنف الذي كانت ستتعرض لها الزوجة، من جديد، بعد كل هذا العنف؟

إنها ليست حكاية غرائبية عابرة… بل هي تذكير بأن العنف ضد النساء لا يكون دائمًا صريحًا أو مرئيًا. أحيانًا، يكون منظمًا، هادئًا، ويعيش طويلًا داخل أكثر العلاقات “شرعية” في المجتمع. كما أن المجتمع يطبع معه لدرجة أن عشرات الرجال يغتصبون… وهم حتى لا يسائلون بشاعة جريمتهم.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *