من اليمن. نشوان العثماني يكتب: في ضرورة إلغاء حد الردة من القانون اليمني! - Marayana
×
×

من اليمن. نشوان العثماني يكتب: في ضرورة إلغاء حد الردة من القانون اليمني!

وجود مادة الردة في القانون اليمني يمثل إعلانًا صريحًا عن هيمنة الدولة على الضمير الديني للمجتمع، ويجعل التشريع أداة لإدارة الإيمان بدل أن يكون إطارًا لحماية الحقوق، وهو مسار يتناقض مع فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على حرية الإنسان وعلى مساواة المواطنين أمام القانون.
وما قيمة المواطنة إذا بقي الضمير تحت تهديد السيف؟

نشوان العثماني
نشوان العثماني

إهداء إلى المجلس الوطني للأقليات في اليمن في ذكراه الرابعة…

وأنتم على منعطف مهم في مساره بُعيد أسبوع، 22 مارس/آذار الجاري، وهو موعد يفتح نقاشًا جديًا حول معنى المواطنة الكاملة ومكان حرية الضمير في الدولة التي يريدها اليمنيون.

-1-

يتضمن القانون اليمني نصًا صريحًا يعاقب الإنسان بالإعدام بسبب اعتقاده، إذ تنص المادة (259) من القانون رقم (12) لسنة 1994 بشأن الجرائم والعقوبات على ما يلي:

“كل من ارتد عن دين الإسلام يعاقب بالإعدام بعد الاستتابة ثلاثًا وإمهاله ثلاثين يومًا. ويعتبر ردة الجهر بأقوال أو أفعال تتنافى مع قواعد الإسلام وأركانه عن عمد أو إصرار، فإذا لم يثبت العمد أو الإصرار وأبدى الجاني التوبة فلا عقاب”.

 فلماذا تعدمون مواطنًا لم يجد في دين بعينه ملاذًا له، وقرر تركه أو اعتناق غيره؟

 بأي حق؟

 وأي سلطة تمنح القانون حق الدخول إلى ضمير الإنسان والحكم على علاقته بربه؟

هذا النص يمنح الدولة سلطة مباشرة على الضمير الإنساني، ويضع الاعتقاد تحت تهديد العقوبة الجنائية، ويجعل علاقة الإنسان بإيمانه موضوعًا خاضعًا للقضاء والسلطة العقابية، وهو وضع يحول الدولة إلى سلطة عقائدية تتدخل في أعمق مساحة إنسانية في حياة الفرد، أي في تلك اللحظة الصامتة التي يقف فيها الإنسان وحده أمام أسئلته الوجودية.

القانون وجد لتنظيم العلاقات بين الناس وحماية الحقوق العامة وصون المجتمع من الاعتداء والعنف، وهو إطار مدني ينظم السلوك الذي يمس الآخرين ويهدد السلم العام، وتقوم فلسفته على إدارة الحياة المشتركة بين المواطنين لا على إدارة إيمانهم أو فرض قناعاتهم الدينية.

ــ فمنذ متى صار القانون وصيًا على ضمائر الناس؟ ومنذ متى أصبحت المحكمة مكانًا للفصل في علاقة روحية من هذا النوع؟

-2-

الدولة الحديثة تقوم على قاعدة واضحة وصارمة تتمثل في مساءلة الإنسان عن أفعاله التي تضر بالآخرين أو تنتهك حقوقهم، بينما تبقى الأفكار والقناعات والمعتقدات في دائرة الحرية الشخصية التي يحميها القانون بوصفها جزءًا من كرامة الإنسان وقدرته على التفكير والاختيار.

ــ فأي ضرر يلحق بالمجتمع حين يغير إنسان قناعته الدينية؟ وأي خطر يهدد الدولة إذا اختار مواطن طريقًا روحيًا مختلفًا؟

هذه القاعدة مبدأ إنساني عالمي كرسه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ منتصف القرن العشرين، إذ تنص مادته الأولى نصًا واضحًا لا لبس فيه:

“يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء”.

ــ فهل يولد الإنسان حرًا في كرامته وحقوقه ثم يُقاد إلى المشنقة لأنه اتخذ قرارًا يتعلق بإيمانه؟

النص الذي يعاقب على الردة يضع القانون اليمني في مواجهة مباشرة مع هذا المبدأ الإنساني الواضح – واليمن ملزمة سياسيًا وأخلاقيًا باحترام مبادئ هذا الإعلان- ويحول التشريع من أداة لحماية الإنسان إلى أداة لفرض عقيدة بعينها، وهو تحول يضعف فكرة الدولة المدنية ويجعل الضمير الإنساني مجالًا للسلطة العقابية.

ــ وهنا يبرز سؤال جوهري: هل وظيفة الدولة حماية الإنسان أم محاكمة إيمانه؟

-3-

الإيمان تجربة روحية حرة يعيشها الإنسان في علاقته مع الله، وتاريخ المجتمعات البشرية يبين أن قوة الدين ارتبطت دائمًا بحرية الإيمان وصدق القناعة الداخلية، بينما يؤدي الإكراه إلى إنتاج خوف اجتماعي وسلوك ظاهري يخفي داخله نفاقًا أو اضطرارًا.

ــ فماذا نريد، مجتمعًا يؤمن بحرية، أم مجتمعًا يخاف فيصمت قهرًا؟

وجود مادة الردة في القانون اليمني يمثل إعلانًا صريحًا عن هيمنة الدولة على الضمير الديني للمجتمع، ويجعل التشريع أداة لإدارة الإيمان بدل أن يكون إطارًا لحماية الحقوق، وهو مسار يتناقض مع فكرة الدولة الحديثة التي تقوم على حرية الإنسان وعلى مساواة المواطنين أمام القانون.

ــ وما قيمة المواطنة إذا بقي الضمير تحت تهديد السيف؟

-4-

الطريق الصحيح واضح ولا يحتاج التفافًا لغويًا أو اجتهادًا سياسيًا مترددًا، ويتمثل في خطوة تشريعية حاسمة تقضي بإلغاء مادة الردة من قانون الجرائم والعقوبات وإعادة القانون إلى وظيفته الطبيعية بوصفه أداة لحماية المجتمع من الاعتداء والعنف لا وسيلة لمعاقبة الضمير.

والقانون الذي يحمي الحياة لا يجوز أن يتحول إلى أداة لإزهاقها بسبب فكرة أو اعتقاد.

إلغاء هذا النص يمثل موقفًا قانونيًا وأخلاقيًا واضحًا يؤكد أن الدولة تحترم الإنسان وكرامته وتضمن له حرية الاعتقاد، ويعيد وضع العلاقة بين الدولة والمواطن داخل إطار المواطنة المتساوية التي تقوم على الحقوق والواجبات لا على التفتيش في القناعات.

الدولة التي تقوم على سيادة القانون تسأل مواطنيها سؤالًا واحدًا يتعلق باحترامهم لحقوق الآخرين والتزامهم بالقانون الذي ينظم الحياة المشتركة، بينما تظل علاقة الإنسان بإيمانه شأنًا شخصيًا يعيش في ضميره ولا يدخل في نطاق السلطة العقابية.

هذا المسار يؤكد أن الدولة دولة المواطنين جميعًا لا دولة عقيدة واحدة، ويضع القانون في موقعه الصحيح بوصفه ضمانة للحرية والكرامة الإنسانية، وهي القيم التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة وتسعى الشعوب إلى ترسيخها بوصفها أساس العدالة والاستقرار.

فأي دولة نريد لليمن: دولة تحرس الضمائر أم دولة تحرس الحقوق؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *